لأي من المصلحة أو المفسدة -عند تعارضهما- ليحكم بناء على تلك الغلبة بصلاح ذلك الأمر أو فساده، وبهذا فإن منهج فقه الموازنات هو مجموعة المعايير والأسس التي يرجح بها بين ما تنازع من المصالح أو المفاسد، ويعرف به أي المتعارضين ينبغي فعله وأيهما ينبغي تركه ·
وفقه الموازنات -بالمفهوم الذي حددناه- أخص من فقه الأولويات وذلك أن فقه الموازنات يأتي للترجيح بين المتعارضات التي لا يمكن فيها فعل أكبر المصلحتين إلا بترك الصغرى، أو التي لا يمكن فيها درء أعظم المفسدتين إلا بفعل الأخرى أو التي لا يمكن فيها تجنب المفاسد إلا بترك المصالح، أو التي لا يمكن فيها تحقيق المصالح إلا بتحمل المفاسد، ففقه الموازنات يأتي للترجيح بين المصالح والمفاسد المتعارضة ليتبين بذلك أي المتعارضين يعمل به وأيهما يترك · أما فقه الأولويات فهو يأتي للترتيب بين المصالح ليبين ما الذي ينبغي أن يكون أولًا وما الذي ينبغي أن يكون ثانيًا وثالثًا ورابعًا · وكذلك يعمل على الترتيب بين المفاسد فيبين ما الذي ينبغي تركه أولًا وما الذي ينبغي تركه ثانيًا وثالثًا ورابعًا · فيعرف بفقه الأولويات ما حقه التقديم وما حقه التأخير ويوضع كل شيء في موضعه ·· وهذا الترتيب الذي يقوم به فقه الأولويات قد يكون مبنيًا على فقه الموازنات عندما يكون هناك تعارض · وقد لا يكون مبنيًا على فقه الموازنات وذلك عندما لا يكون هناك تعارض، وإنما حسن ترتيب للأشياء، ورغم ما بين الفقهين من اختلاف فإن فقه الأولويات يكون في الغالب مرتبطًا بفقه الموازنات، ويتداخل الفقهان ويتلازمان في كثير من المجالات، وأيضًا فإنما ينتهي إلىه فقه الموازنات يدخل في الغالب في فقه الأولويات (1) ·
المبحث الثاني
مشروعية فقه الموازنات
لقد دل على مشروعية فقه الموازنات الكتاب والسنة والإجماع والعقل فأما القرآن الكريم فقد ورد فيه العديد من الآيات الدالة على مشروعية الموازنة والعمل بها، وسأقتصر هنا على ذكر ثلاث آيات: الأولى تتعلق بالموازنة بين المصالح، والثانية تتعلق بالموازنة بين المفاسد، والثالثة تتعلق بالموازنة بين المصالح المتعارضة مع المفاسد، وذلك على النحو الآتي:
1 -قال تعالى: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون