عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم (1) ·
فهذه الآية تدل على أنه في معركة بدر تعارضت مصلحتان - الفدية والقتل - وأن هاتين المصلحتين متفاوتتان في النفع، وأن أعظمهما نفعًا هو القضاء على الأسرى لما فيه من قطع لدابر صناديد المشركين وكسر لشوكتهم، ولذلك كان يجب تقديم قتل الأسرى على افتدائهم · فالقضاء على الأسرى مصلحة معنوية، وأخذ الفدية مصلحة مادية، وقد بين القرآن الكريم أن المصلحة المعنوية كانت هي الأولى بالتقديم والعمل؛ لأنها الأنسب في تلك المرحلة، بل إن القرآن الكريم عاتب على اختيار المصلحة المادية (2) ·
2 -قال تعالى: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا (3) · فالآية تدل على أن الخضر إنما خرق السفينة وأعابها لكي يجعل ذلك الملك الظالم يتركها لما يرى عليها من عيب، حيث كان ذلك الظالم يغتصب كل سفينة تمر عليه إذا كانت حالتها جيدة، وهذا يدل على جواز ارتكاب المفسدة الصغرى إذا كان ذلك سيؤدي إلى درء المفسدة الكبرى تطبيقًا للقاعدة الفقهية التي تبين بأنه إذا تعارضت مفسدتان فيرتكب أخفهما لدرء أعظمهما · فالخضر بموازنته بين المفسدتين قد عمل على ارتكاب المفسدة الصغرى وهي خرق السفينة لدرء المفسدة الكبرى وهي اغتصاب الملك الظالم للسفينة؛ فبقاء السفينة لأصحابها وبها خرق أقل مفسدة من بقائها سليمة مغصوبة (1) ·
3 -قال تعالى: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم (2) · ففي هذه الآية حرم الله سب آلهة المشركين، لأن ما يشتمل عليه السب من مفسدة أعظم بكثير من ما سيحققه من مصلحة· فإذا كان في السب مصلحة وهي إهانة آلهة المشركين، فإن فيه مفسدة أكبر وهي دفع المشركين إلى سب الله تعالى، فنهى الله عن سب آلهة المشركين مع أن فيه مصلحة وذلك درءًا لمفسدة أكبر (3) وهذا يدل على أنه إذا تعارضت مصلحة ومفسدة، وكانت المفسدة أعظم من المصلحة فتترك المصلحة من أجل درء المفسدة ·
الأدلة من السنة على مشروعية فقه الموازنات:
لقد جاء في السنة النبوية عدد من الأحاديث الدالة على مشروعية فقه الموازنات في صوره الثلاث وذلك على النحو الآتي: