أولًا: فيما يتعلق بالموازنة بين المصالح ورد عدد من الأحاديث منها قوله: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ(الفرد) بسبع وعشرين درجة) (4) · وقوله: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه) (5) ، وقوله: (إن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا) (1) ، فهذه الأحاديث تدل على تفاوت المصالح والأعمال الشرعية من حيث أفضلية بعضها على بعض، وبيان الأولوية في تقديم بعضها على بعض عند التعارض ·
ثانيًا: فيما يتعلق بالموازنة بين المفاسد المتعارضة إذا اضطر إلى إحداها، ورد عدد من الأحاديث، منها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قام أعرابي فبال في المسجد فقام إليه الناس ليقعوا فيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعوه وهريقوا على بوله سجلًا من ماء أو ذنوبًا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) (2) ، فهذا الحديث قد تضمن موازنة بين مفسدتين: مفسدة بول الأعرابي في المسجد ومفسدة ترويع الأعرابي الذي قد يؤدي إلى نفوره عن الدين، وبما أن مفسدة ترويع الأعرابي أكبر من مفسدة بوله فقد درأت المفسدة الكبرى بما هو أدنى منها، لذلك فقد نهى النبي أصحابه عن زجر الأعرابي اتقاء ودرءًا لمفسدة الترويع (3) ·
ثالثًا: فيما يتعلق بالموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة فقد ورد في ذلك عدد من الأحاديث النبوية، ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مخاطبًا عائشة: (يا عائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض وجعلت به بابين بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا فبلغت به أساس إبراهيم) (4) فهذا الحديث بين أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن فتح مكة وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت وإعادة بنائه على قواعد إبراهيم، ولا شك أن هذه مصلحة غير أنه خشي من أن يؤدي ذلك إلى مفسدة أعظم من تلك المصلحة وهي عدم احتمال قريش لذلك التغيير، نظرًا لقرب عهدهم بالجاهلية، حيث إنه قد يؤدي إلى ارتداد الداخلين منهم في الإسلام (1) · يقول ابن حجر العسقلاني:"إن قريشًا كانت تعظم أمر الكعبة جدًا فخشي أن يظنوا - لأجل قرب عهدهم بالإسلام- أنه غير بناءها لينفرد عليهم بالفخر في ذلك، ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة (2) ·"
الدليل من الإجماع على مشروعية فقه الموازنات:
سبق أن أوردنا عددًا من نصوص الكتاب والسنة المبينة لمشروعية فقه الموازنات