والعمل به، ومع ذلك فإنه يجدر بنا أن نبين أن سلفنا الصالح قد استوعبوا ذلك وعملوا بفقه الموازنات وأجمعوا على مشروعيته، ولا أدل على ذلك من أن صحابة رسول الله رضي الله عنهم قد عملوا بفقه الموازنات من أول يوم بعد وفاة الرسول وفي أول قضية واجهتهم بعد وفاة رسول الله مباشرة، وذلك أنه تعارض لديهم مصلحتان وهما: مصلحة دفن النبي صلى الله عليه وسلم ومصلحة تنصيب الخليفة، وأشكل عليهم تحديد أي المصلحتين يكون البدء بها وأيهما تؤخر، وبناء على فقه الموازنات فقد تجلى للصحابة أن المصلحتين متفاوتتان بين كبرى وصغرى، فالمصلحة الكبرى هي اختيار خليفة للمسلمين، والصغرى هي دفن الرسول وذلك لأن بقاء المسلمين بدون خليفة أخطر على الإسلام من تأخير دفن الرسول فإقامة خليفة للمسلمين أمر لا بد من السرعة في إقامته حفاظًا على كيان الدولة الإسلامية · وبما أن المصلحتين متفاوتتان فقد قدم الصحابة المصلحة الكبرى على المصلحة الصغرى وبدءوا باختيار الخليفة، ولما انتهوا من ذلك سارعوا بدفن الرسول (3) ، ولم يخرج من بين الصحابة من ينكر مثل هذا العمل، فدل ذلك على إجماعهم في الأخذ بفقه الموازنات وترتيب الأولويات (4) ·
الدليل العقلي على مشروعية فقه الموازنات:-
وإضافة إلى ما سبق ذكره من الأدلة على مشروعية فقه الموازنات وإجماع الصحابة على مشروعية فقه الموازنات، فإن العقل أيضًا يقضي بضرورة العمل بهذا الفقه؛ إذ إنه كما يقول العز بن عبد السلام"لا يخفى على عقل عاقل ·· أن تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمود حسن، وأن درء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حسن، وأن تقديم المصالح الراجحة على المرجوحة محمود حسن، وأن درء المفاسد الراجحة مقدم على المصالح المرجوحة محمود حسن ··· وأن تقديم الأصلح فالأصلح ودرء الأفسد فالأفسد مركوز في طبائع العباد نظرًا لهم من رب الأرباب ·· فلو خيرت الصبي بين اللذيذ والألذ لاختار الألذ، ولو خير بين الحسن والأحسن لاختار الأحسن، ولو خير بين فلس ودرهم لاختار الدرهم، ولو خير بين درهم ودينار لاختار الدينار · ولا يقدم الصالح على الأصلح إلا جاهل بفضل الأصلح، أو شقي متجاهل لا ينظر إلى ما بين المرتبتين من التفاوت" (1) ·
المبحث الثالث
الحاجة إلى فقه الموازنات