الصفحة 7 من 69

تشتد حاجة المسلمين إلى هذا الفقه على كل المستويات: على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع وعلى مستوى الدولة، فأما الفرد فكثيرًا ما يواجه في الحياة مواقف صعبة تتعارض فيها المصالح فيحتاج إلى الموازنة بينها، أو تتعارض فيها المفاسد فيحتاج كذلك إلى الموازنة بينها، أو تتعارض فيها المصالح والمفاسد فيحتاج كذلك إلى الموازنة بينها لتغليب إحداها على الأخرى، وهو في ذلك كله لا بد له أن ينضبط بمنهج فقه الموازنات وإلا عرض نفسه للوقوع في الأخطاء الفادحة ·

وإذا كانت تلك هي حاجة الفرد إلى فقه الموازنات فكذلك هي حاجة المجتمع الذي غالبًا ما يتعرض لمواقف شائكة، تتعارض فيها المصالح العامة أو تتعارض المفاسد أو تتعارض فيها المصالح مع المفاسد، أو تتعارض مصالح المجتمع مع مصالح الفرد، ولإزالة ذلك التعارض وحل ذلك الإشكال بأحكام عادلة وقرارات سليمة لا بد من العودة والالتزام بمنهج فقه الموازنات ·

ولأن كان ذلك هو شأن الفرد وشأن المجتمع في حاجتهما إلى منهج فقه الموازنات، فإن شأن الدولة في حاجتها إلى فقه الموازنات أكبر وأخطر وذلك أن الدولة هي الأكثر تعرضًا للمواقف المتعارضة التي تتطلب الالتزام والعمل بمنهج فقه الموازنات؛ إذ إن الدولة عندما تضع نظمها وخططها فإنها تحدد الأولويات لما يجب عمله من المصالح والأولويات لما يجب تركه من المفاسد، وهذه الأولويات لا يمكن تحديدها إلا من خلال فقه الموازنات الذي يستبين به تفاوت المصالح وتفاوت المفاسد وكيف ترتب المصالح والمفاسد بناء على ما بينها من تفاوت · ولأن كان ذلك في جانب التنظيم فهو كذلك في جانب التنفيذ إذ إن الدولة وهي تسير نحو تحقيق مصالح الأمة ودرء المفاسد عنها لا بد أن يكون برنامجها التنفيذي في ذلك مبنيًا على البدء بتحقيق ما هو أعظم مصلحة ثم ما هو دونه، ودرء ما هو أشد خطرًا ثم ما هو دونه وتحقيق المصالح الكبرى وإن اكتنفتها مفاسد صغرى ودرء المفاسد الكبرى وإن أهدرت معها مصالح مساوية لها أو أدنى منها، وكل ذلك لا بد أن يتم وفق منهج الموازنات · وعلى هذا فإن لمنهج فقه الموازنات أهمية قصوى واحتياج كبير في مجال السياسة الشرعية بل إن السياسة الشرعية تقوم في أساسها على فقه الموازنات ·

والحاجة إلى فقه الموازنات كبيرة جدًا في كل نواحي الحياة -اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا وغيرها- خصوصًا في هذا العصر الذي تداخلت فيه الأمور، وتعقدت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت