الصفحة 8 من 69

فيه القضايا وأحاط بها الكثير من الملابسات التي لا يمكن علاجها إلا من خلال منهج فقه الموازنات، وإذا غاب عنا فقه الموازنات فقد سددنا على أنفسنا كثيرًا من أبواب السعة والرحمة، واتخذنا فلسفة الرفض أساسًا لكل تعامل، والانغلاق على الذات تكأة للفرار من مواجهة المشكلات والاقتحام على الخصم في عقر داره، وسيكون أسهل شيء علينا أن نقول: (لا) أو (حرام) في كل أمر يحتاج إلى إعمال فكر واجتهاد· أما في ضوء فقه الموازنات فسنجد هناك سبيلًا للمقارنة بين وضع ووضع والمفاضلة بين حال وحال، والموازنة بين المكاسب والخسائر على المدى القصير وعلى المدى الطويل وعلى المستوى الفردي وعلى المستوى الجماعي، ونختار بعد ذلك ما نراه أدنى لجلب المصلحة ودرء المفسدة (1) ·

وإضافة إلى ما سبق فإن الحاجة ماسة أيضًا إلى فقه الموازنات في ميدان العمل الإسلامي الذي يسعى إلى إصلاح أوضاع الأمة والنهوض بها، فما من شك أن أوضاع الأمة الإسلامية قد وصلت إلى حد من التردي لم يسبق له مثيل كما أحدقت بها المؤامرات من كل حدب وصوب وانتشرت المفاسد في كل جوانب الحياة (اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا وتربويًا ··) لذلك فإن العاملين في ميدان الإصلاح والعمل الإسلامي يواجهون وضعًا صعبًا ومشاكل متعددة وتداخلات كثيرة بين المصالح والمفاسد، مما يوجب عليهم أن يسيروا في عملهم الإصلاحي وفق منهج فقه الموازنات ليتبين لهم بذلك أي المجالات يجب البدء بإصلاحها، وأي المصالح يجب تقديمها على غيرها، وأي المفاسد يجب البدء بإزالتها، وما الذي يجب عمله عند تنازع المصالح والمفاسد، وأما إذا أغفلت حركة الإصلاح منهج فقه الموازنات فإنها تقع في أخطاء فادحة وخسائر كبيرة لأن ما يحيط بها اليوم من أوضاع صعبة وتعقيدات جمة وملابسات خطيرة يجعلها بحاجة إلى العمل المنضبط الدقيق والبعد عن العشوائية والارتجال ·

الفصل الثاني

الموازنة والترجيح بين المصالح المتعارضة

في هذا الفصل سنعرض لتعريف المصلحة وأساس اعتبارها وبيان أقسام المصالح كما نعرض للمعايير التي يرجح بها بين المصالح المتعارضة وسنقسم دراستنا لهذا الفصل إلى عشرة مباحث:

المبحث الأول: تعريف المصلحة وأساس اعتبارها ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت