الصفحة 46 من 69

عليها الهجرة -ولو سافرت وحدها وإن كان سفرها وحدها حرام (2) ·

المذهب الثاني: ذهب جمع من العلماء إلى أنه يرجح ما دل على التحريم على ما دل على الوجوب وذلك أن التحريم قصد به دفع المفسدة والوجوب قصد به في الغالب جلب المصلحة، واهتمام الشارع بدرء المفاسد أكثر من اعتنائه بجلب المصالح، وبما أن درء المفاسد يكون في العمل بما دل على التحريم، فكان المحرم مقدمًا على الواجب عملًا بقاعدة (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) (3) ·

واحتجوا أيضًا -لترجيح المحرم على الواجب- بأن إفضاء الحرمة إلى مقصودها أتم من إفضاء الواجب إلى مقصوده، فكانت المحافظة عليه أولى، وذلك لأن مقصود الحرمة يتأتى بالترك، سواء قصد الترك أم لا، وليس كذلك في الواجب، واحتجوا أيضًا بأنه إذا تساوى ترك الواجب وفعل المحرم في داعية الطبع فالترك يكون أسهل وأيسر من الفعل لتضمن الفعل حركة ومشقة، وما لا يستدعي الحركة والمشقة أدعى إلى النفس بالقبول، وأوقع لها بالمحافظة عليه (1) ·

المذهب الثالث (2) : ذهب الإمام الرازي والبيضاوي وبعض الحنابلة إلى أنهما متساويان، ولا يرجح أحدهما على الآخر، وإنما يتساقطان، وذلك أن فعل المحرم يوجب الإثم، وترك الواجب موجب للإثم، وبهذا فإن ترك الواجب وارتكاب المحرم بمنزلة واحدة ·

الحالة الثانية: إذا اجتمع في أمر واحد مصلحة مندوبة ومفسدة محرمة فتغلب المفسدة المحرمة على المصلحة المندوبة، ولا خلاف بين العلماء في أنه إذا تعارض التحريم مع الندب فيرجح التحريم على الندب· لأن اهتمام الشارع بدفع المفسدة أشد من اهتمامه بتحصيل المنفعة (3) ·

الحالة الثالثة: إذا تعارضت مصلحة ومفسدة في أمر واحد وكانت المفسدة من رتبة المحرم والمصلحة من رتبة المباح فيغلب جانب المفسدة على المصلحة تغليبًا للمحرم على المباح، لأن المحرم أعلى رتبة في الحكم من المباح، وعلى هذا فإنه يقدم درء المفسدة على جلب المصلحة لأن اهتمام الشارع بدفع المفسدة أشد من اهتمامه بجلب المصلحة (4) والأساس الذي بنيت عليه هذه القاعدة قول الرسول: (إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت