الصفحة 49 من 69

ضرورية تتمثل في الحفاظ على النفس من الهلاك على مفسدة حاجية تتعلق بالدين؛ إذ إنه لا يعد إخلالًا بالدين ونقضًا له النطق بالكفر مع اطمئنان القلب على الإيمان لمن أكره على ذلك · وهذه تعد من حاجيات الدين، حيث إن من المصالح الحاجية للحفاظ على الدين عدم التلقظ بما فيه إساءة للدين إساءة لا تصل إلى منزلة الكفر به ولهذا فإن التلفظ بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان لمن أكره على ذلك مفسدة حاجية، ولقد بيّن لنا القرآن الكريم ذلك حين جاءت الآية صريحة في جواز النطق بالكفر لمن أكره على ذلك مع اطمئنان قلبه بالإيمان، قال تعالى: من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (1) · وقد روي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد واشتد به الأذى، فوافقهم على ذلك مكرهًا، وجاء معتذرًا إلى النبي، فأنزل الله هذه الآية· وقال ابن جرير: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه عذابًا شديدًا حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (وكيف تجد قلبك؟) قال: مطمئنًا بالإيمان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن عادوا فعد) ، وفيه أنه سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير" (1) · ولهذا فقد اتفق العلماء على جواز النطق بالكفر لمن أكره عليه وقلبه مطمئن بالإيمان ولا إثم عليه (2) ·"

المثال الثاني: (لما غلب فيه جانب المصلحة على المفسدة) جواز نظر الطبيب إلى العورة للمداواة ففي هذه المسألة اجتمعت مصلحة من رتبة الحاجيات ومفسدة من رتبة التحسينيات فترجح المصلحة الحاجية وهي العلاج من المرض على المفسدة التحسينية وهي كشف العورة ·

المثال الثالث: مسألة نزع بعض أعضاء الميت لمعالجة الحي فهذه المسألة -بناء على الرأي القائل بالجواز- تعارض فيها مصلحة ضرورية للحي وهي إنقاذ حياته من الهلاك والحفاظ على نفسه بتركيب عضو له من ميت حديث الموت ككلية أو غيرها، وفي هذا النزع من الميت مفسدة للميت حيث يلحقه شيء من التشويه الذي كان يحسن أن لا يلحق به فهي مفسدة من رتبة التحسينيات · وقد رجح جانب المصلحة الضرورية على المفسدة التحسينية عند القائلين بجواز نزع بعض أعضاء الميت لمعالجة الحي، وقد يكون في هذا العلاج تحقيق مصلحة ضرورية فيجوز نزع شيء من الميت لعلاج الحي لأن ما يلحق الميت من مفسدة إنما هي من رتبة التحسينيات· وهذه الموازنة على رأي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت