فهرس الكتاب
القائلين بالجواز · وهناك من لا يقول بالجواز· وقد جرى بين الاتجاهين مناقشات طويلة (3) ·
المبحث الرابع
المعيار الثالث: الترجيح بين المصلحة والمفسدة بأعلاهما نوعًا
إن كليات المصالح المعتبرة شرعًا خمس وهي: الدين والنفس والعقل والنسل والمال حيث جاءت الشريعة الإسلامية للحفاظ على هذه الكليات ودرء المفاسد عنها (1) · وهذه الكليات متفاوتة في الأهمية على خمس مراتب فأعلاها أهمية الدين ثم النفس ثم العقل ثم النسل ثم المال، وعلى هذا فإن ما يكون به حفظ الدين مقدم على ما يكون به حفظ النفس عند تعارضهما، وما يكون به حفظ النفس مقدم على ما يكون به حفظ العقل، وما يكون به حفظ العقل مقدم على ما يكون به حفظ النسل، وما يكون به حفظ النسل مقدم عند التعارض على ما يكون به حفظ المال (2) ·
وقد سبق تفصيل هذا الموضوع وذكر الأدلة على التفاوت بين الكليات الخمس، كما أنه سبق أن أطلقنا على كل واحدة من هذه الكليات نوعًا من أنواع المصلحة، وبينّا أنه إذا تعارضت هذه الأنواع الخمسة فيرجح أعلاها نوعًا على أدناها ذلك ما بينّاه في فصل الموازنة بين المصالح كما بينّا في فصل الموازنة بين المفاسد أنه إذا تعارضت مفاسد تتعلق بالأنواع الخمسة (الكليات الخمس) فإنه يقدم درء المفسدة المتعلقة بالنوع الأعلى على ما دونه · كما سبق القول إن الترجيح بمعيار نوع المصلحة أو المفسدة إنما يكون عند تساوي المتعارضين في الرتبة أما إذا اختلف المتعارضان في الرتبة فيرجح أعلاهما رتبة على ما دونه، ولا حاجة لنا إلى الترجيح بينهما بمعيار النوع · ذلك ما سبق تفصيله في الفصلين الثاني والثالث من هذا البحث، وفي هذا الفصل نحتاج إلى بيان معيار الترجيح بين المصلحة والمفسدة بأعلاهما نوعًا، وذلك أنه إذا تعارضت المصلحة والمفسدة وكانتا من رتبة واحدة فلا بد من النظر إلى الكلي (النوع) الذي تتعلق به كل من المصلحة والمفسدة فأيهما كان متعلقًا بكلي أعلى فيرجح على ما كان متعلقًا بكلي أدنى، فلو كانت إحداهما متعلقة بالدين والأخرى بالنفس فإننا نرجح ما كان متعلقًا بالدين على ما كان متعلقًا بالنفس، فلو فرضنا أن المتعلق بالدين هي المصلحة والمتعلق بالنفس هي المفسدة فإننا نغلب جانب المصلحة على جانب المفسدة، لأن جانب المصلحة متعلق بكلي (بنوع) أعلى مما تعلقت به المفسدة · وكذلك العكس لو كانت المفسدة متعلقة بكلي