الصفحة 51 من 69

أعلى من متعلق المصلحة فإنه يغلب جانب المفسدة على المصلحة ·

وكما سبق القول فإننا لا نستخدم الترجيح بمعيار النوع إلا إذا تعذر الترجيح بمعيار الرتبة، أي لا يرجح بين المتعارضين بأعلاهما نوعًا إلا إذا كانا متساويين في الرتبة، أما إذا كان المتعارضان مختلفين في الرتبة فيرجح أعلاهما رتبة على ما دونه ولا داعي للترجيح بمعيار النوع · وعلى هذا فإنه لا يتم الترجيح بين المصلحة والمفسدة بأعلاهما نوعًا إلا إذا كانت المصلحة والمفسدة من رتبة واحدة كأن يكونا معًا من رتبة الضروريات أو الحاجيات أو التحسينيات، أما إذا اختلفت المصلحة والمفسدة في الرتبة فإننا نرجح أعلاهما رتبة على أدناهما ولا ننظر إلى معيار الترجيح بالنوع · ولتوضيح معيار الترجيح بين المصلحة والمفسدة بأعلاهما نوعًا سنعرض لعدد من الأمثلة يتجلى من خلالها تطبيقنا لهذا المعيار ·

المثال الأول: نوضح فيه كيف غلب تحصيل المصلحة على درء المفسدة لكون المصلحة تتعلق بكلي (بنوع) أعلى وذلك في مسألة الجهاد -وهو مصلحة لحفظ الدين- مع التضحية بالنفس- وهي مفسدة تؤدي إلى هلاك النفس · فالمصلحة هنا والمفسدة كلتاهما من رتبة واحدة وهي الضروريات ولكنهما متفاوتتان في النوع، فمصلحة الجهاد تتعلق بالدين ومفسدة القتل تتعلق بالنفس، ومن المعلوم أن الدين كلي (نوع) أعلى من النفس فوجب لذلك تقديم جانب المصلحة وتغليبه على جانب المفسدة، وعلى هذا فإنه لا يجوز القعود عن الجهاد جبنًا وظنًا بالنفس، لأن في هذا القعود تفويتًا لحفظ الدين ورد الاعتداء وصيانة دار الإسلام، وهذه أمور ضرورية أهم من حفظ النفس وإن كان كلاهما ضروريًا (1) ·

المثال الثاني: نوضح فيه كيف غلب درء المفسدة على تحصيل المصلحة لأن المفسدة متعلقة بكلي (بنوع) أعلى من المصلحة وذلك في مسألة إنقاذ من غص بلقمة فله أن يشرب خمرًا لتسويغ اللقمة، حيث لم يجد في تلك اللحظة شيئًا يسوغ به اللقمة إلا الخمر (2) ففي هذه الحالة تعارضت مصلحة الحفاظ على العقل مما يغيره -وذلك بالامتناع عن شرب الخمر- مع مفسدة هلاك النفس المعرضة للموت بالغصة، فيجب في هذه الحالة تقديم درء مفسدة هلاك النفس على مصلحة الحفاظ على العقل، لأن جانب المفسدة هنا يتعلق بكلي (بنوع) أعلى وهو النفس، وجانب المصلحة يتعلق بكلي أدنى وهو الحفاظ على العقل ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت