فهرس الكتاب
المبحث الخامس
المعيار الرابع: الترجيح بين المصلحة والمفسدة بأعمهما
إذا تعارضت المصلحة والمفسدة وكانتا متساويتين في رتبة الحكم ورتبة المصلحة ونوعها، ففي هذه الحالة يتعذر الترجيح بأي من تلك المعايير الثلاثة السابقة، ولا بد من النظر في معيار العموم والخصوص حيث يرجح به ما كان عامًا على ما كان خاصًا، فلو اجتمع في أمر ما مصلحة ومفسدة وكانت المصلحة عامة لكل الناس بينما المفسدة ضررها خاص بشخص أو أشخاص قليلين، فإنه يرجح جانب المصلحة، لأن المصلحة العامة مقدمة ولو أدت إلى مفسدة خاصة -طالما وهما متساويتان في المعايير السابقة- ويكون العكس فيما لو كانت المفسدة عامة تضر الناس جميعًا في ذلك المجتمع أو أغلبهم بينما جانب المصلحة في ذلك الأمر يستفيد منه فرد أو أفراد قليلون؛ فإنه ترجح المفسدة وتغلب على المصلحة ويكون درء المفسدة في هذه الحالة مقدمًا على جلب المصلحة عملًا بالقاعدة الفقهية (يتحمل الضرر الخاص في سبيل دفع ضرر عام) (1) ولأن في رعاية المصلحة العامة رعاية لحق الفرد ذاته لأنه واحد من المجتمع الذي يستفيد من المصلحة العامة أو من درء المفسدة العامة بينما لو غلب جانب الفرد على جانب الأمة أو المجتمع لأجحفنا بحق بقية أبناء المجتمع ولكان في ذلك ضرر عام لكل الناس بمن فيهم ذلك الفرد المخالف الذي آثر مصلحته ولو على حساب الإضرار بالأمة (2) ·
ولتوضيح هذا المعيار نضرب مثالين أحدهما يتبين فيه ترجيح المصلحة العامة على المفسدة الخاصة، والثاني يتبين فيه ترجيح المفسدة العامة على جلب المصالح الخاصة:
المثال الأول: نوضح فيه كيف رجح جلب المصلحة على درء المفسدة لكون المصلحة عامة والمفسدة خاصة، ويتمثل ذلك في مسألة تضمين الصناع ففي هذا تحقيق مصلحة عامة للناس جميعًا بحفظ أموالهم التي يضعونها لدى الصناع وقطع الطريق على من قد تسول له نفسه من الصناع بالسطو على حق الآخرين بعذر الضياع أو التلف، ولكن هذا أيضًا فيه مفسدة خاصة وتتمثل فيما يلحق الصناع من الضمان في حالة التلف أو الضياع، وقد رجحت هنا المصلحة العامة المتمثلة في تضمين الصناع لما يكون في أيديهم من أمتعة الناس، وبهذا حكم الخلفاء الراشدون -لأن الناس لهم حاجة إلى الصناع وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال؛ والأغلب عليهم التفريط وترك الحفظ، فلو لم يحكم بتضمينهم (أي بمسؤوليتهم عن تعويض التلف) لأدى ذلك إلى