الصفحة 54 من 69

عن مصلحة إنكار المنكر إذا كان الإنكار سيؤدي إلى مفسدة أكبر من المنكر الذي يراد إزالته؛ فمن المعلوم أن إنكار المنكر فيه مصلحة للأمة من جهة زوال المنكر أو تخفيفه ولهذا فإنه يجب إقامته ما دام محققًا لزوال المنكر أو مخففًا منه، إذا كان إنكار المنكر سيؤدي إلى إحداث منكر مساو له فللعلماء حق الاجتهاد في الإنكار وعدمه، وأما إذا كان إنكار المنكر سيؤدي إلى مفسدة أكبر منه فهو محرم · يقول ابن القيم رحمه الله:"إنكار المنكر أربع درجات الأولى: أن يزول ويخلفه ضده، الثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته، الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله، الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه، فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة: موضع اجتهاد، والرابعة: محرمة" (1) ·

وعلى هذا فإن مصلحة إنكار المنكر إذا كانت ستؤدي إلى مفسدة أكبر منها فترك الإنكار واجب، ويقرر الإمام ابن تيمية أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات والمستحبات، ولكن لا بد أن تكون المصلحة فيه راجحة على المفسدة، وإلا لم يكن مما أمر الله به، وتطبيقًا لهذا فإن الإمام ابن تيمية لم ينه قومًا مر بهم -زمن التتار- وهم يشربون الخمر ومنع من أراد أن يقوم بالإنكار لأن ابن تيمية رأى أن شرب هؤلاء للخمر تصدهم عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال (2) فلو أنكر عليهم واستجابوا للإنكار وصحوا وتركوا شرب الخمر فسيقومون بمفاسد أكبر لذلك فقد ترك نهيهم عن تلك المفسدة درءًا لما هو أكبر منها ·

المثال الثاني: يوضح فيه كيف قدم جلب المصلحة على درء المفسدة لكون المصلحة -في ذلك الشيء- أكبر من المفسدة فغلب جانبها، وذلك في مسألة الكذب للصلح بين المتخاصمين أو في حالة الحرب لخداع العدو وتضليله ما دام ذلك لم يشتمل على نقض عهد أو إخلال بأمان (3) ·

أو الكذب في حديث الرجل لزوجه أو حديث المرأة لزوجها بما يعمق المودة والحب والثقة بينهما وينفي أسباب التنافر والكراهية · فالكذب لا شك مفسدة يجب تجنبها ولكنه جاز في هذه المواطن لأن في ارتكابه تحقيقًا لمصلحة أكبر من المفسدة التي يقوم عليها أصل الكذب، والدليل على جواز الكذب في هذه الحالات ما روته أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها قالت:"لم أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء من الكذب مما يقول الناس إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها" (1) · فالكذب للإصلاح بين الناس أو التوفيق بين المرأة وزوجها أو في أمور

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت