الصفحة 56 من 69

والمفسدة دائمة فيقدم درء المفسدة على جلب المصلحة ·

المبحث الثامن

المعيار السابع: الترجيح بين المصلحة والمفسدة بآكدهما تحققًا

إذا تعارضت مصلحة ومفسدة وتنازعتا أمرًا واحدًا، فإنه يجب النظر إلى مدى تحقق كل منهما على صعيد الواقع، فإن كانت كل واحدة منهما محققة الوقوع أو مظنونة الوقوع ظنًا راجحًا -أي تساويتا في تحقق الوقوع- فيلزم الترجيح بينهما بأي معيار من تلك المعايير التي سبق أن عرضنا لها بالتفصيل، أما إذا عرف أن المصلحة والمفسدة المتعارضتين مختلفتان في مدى تحقق وقوعهما فنرجح المتحقق وقوعه منهما على ما ليس كذلك، ولا حاجة إلى النظر في المعايير السابقة لأن تلك المعايير لا ينظر فيها إلا بعد التأكد من تساوي المصلحة والمفسدة في تحقق الوقوع·

وعلى هذا فإنه إذا تعارضت مصلحة ومفسدة وكانت إحداهما مؤكد وقوعها والأخرى موهومة فنرجح ما كان محقق الوقوع -أو مظنون الوقوع ظنًا راجحًا- على ما كان متوهم الوقوع"لأن الفعل إنما يتصف بكونه مصلحة أو مفسدة بحسب ما ينتج منه على صعيد الواقع" (1) · والترجيح بقطعية الوقوع أمر واضح لا إشكال فيه، وأما الترجيح بظنية الوقوع فلأن الشارع قد نزل المظنة منزلة المئنة في عامة الأحكام، ما لم ينسخ الظن بيقين معارض (2) ·

ولتوضيح هذا المعيار سنعرض لمثالين: أحدهما يوضح تغليب المصلحة على المفسدة لكون المصلحة محققة الوقوع -أو مظنونة ظنًا راجحًا- والمفسدة موهومة، والمثال الثاني يوضح فيه تغليب المفسدة على المصلحة لكون المفسدة محققة الوقوع -أو مظنونة ظنًا راجحًا- والمصلحة موهومة:

المثال الأول: نوضح فيه كيف رجحت المصلحة الحقيقية على المفسدة الموهومة وذلك في مسألة تحديد النسل · فعدم تحديد النسل وترك الناس أحرارًا في إنجابهم مع توجيههم إلى الطرق التربوية السليمة والتنشئة الصالحة لأبنائهم واستغلال طاقاتهم في كل عمل مفيد واستيعاب الدولة لطاقات أبنائها كل ذلك يعني أن زيادة السكان يمثل قوة حقيقية وتنمية عظيمة للأمة إذا ما وجدت الدولة الناجحة في إدارتها، المخلصة في توجيهها، أما تحديد النسل بأن تفرض الدولة على أفراد المجتمع التقليل من الإنجاب والاقتصار على عدد محدد لدرء مفسدة الأزمات الاقتصادية التي يسببها النمو السكاني

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت