الصفحة 100 من 129

ثم إن مجيئها فعلية دعائية التي تفيد التجدد والحدوث ما يزيد من معاني تتابع الفضل الإلهي

اللائق بربوبيته سبحانه.

و. ذا تمَّ هذا الجزء من المعنى، وقد ختم بما افتتح به لفظًا ومعنى، وعادت عوائد

الخاتمة (( تبارك الله رب العالمين ) )على ما جاء في أولها، وأوسطها، وكل ما لم يذكر

فيها، مما يدخل تحت عموم لفظ (( العالمين ) )، وهكذا. ذه الألفاظ اليسيرة تابعت الآية

مظاهر القدرة الإلهية في الأرض والسماء، وما تبعهما من كل العوالم الظاهرة والخفية،

وكأن هذه الآية كالمقدمة لهذا القسم ولما بعده من لفظ (( رب العالمين ) )، وما أعقبه

من قصص الأمم والأقوام بع. د. وكالتفسير والتوضيح لما قبله من لفظ (( فتبارك الله

رب العالمين )) ، وهي راجعة إلى (( ربكم ) )في قوله: (( ولقد مكناكم في الأرض

وجعلنا لكم فيها معايش )) من قوله في الجزء الأول من الآية: (( إن ربكم الله الذي

خلق السموات والأرض في ستة أيام ... )) وراجعة إلى قوله: (( قال فيها تحيون وفيها

تموتون ومنها تخرجون )) من قوله في الجزء الثاني من الآية: (( .يغشي الليل النهار يطلبه

حثيثًا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره )) ؛ فإن في تعاقب الليل والنهار بتسيير

الشمس والقمر والنجوم حياة وموتًا ظاهرين وباطنين، في كل يوم وليلة.

واكتملت هذه المعاني. ذه البركات، ونتج عنها تعلق القلوب. ا وحاجتها

الشديدة إلى موجدها، فجاءت الآية التالية بعدها تسوق هذه الرغبة، وذلك التعلق،

وقد جاءت بالأمر بدعائه تعالى، واستنزال بركاته (( ادعوا ربكم تضرعًا وخفية ) )

، وفيها توجيه إلى آداب دعائه، وأسباب نيل أفضاله، وقد جاءت بوصلة

لفظية هي: (( ادعوا ربكم ) )من خاتمة الآية قبلها (( رب العالمين ) ).

ثم تأمل كيف جمعت الآية معاني عظيمة للعبودية في كلمتين اثنتين هما (( تضرعًا

. (وخفية ) ) ، فإن الدعاء مخ العبادة كما جاء في الحديث (1

وهي عائدة على الوصايا الرحمانية و الندآات الربانية في قوله: (( وادعوه مخلصين

له الدين )) ، و العجيب أن الآية هنا ختمت بقوله: (( إنه لا يحب المعتدين ) )وكأن فيها

مقابلة خفية بين شقيها؛ فكأن المعنى فمن لم يتضرع بصدق، ولم يخلص بالإخفاء،

1)رواه ابن ماجه (كتاب الدعاء) باب (فضل الدعاء) حديث (3828) . أن (الدعاء هو العبادة) . والترمذي (كتاب تفسير القرآن) باب (ومن سورة

. (البقرة) حديث (2980

كان من المعتدين، الذين لا يحبهم الله، فإن في التضرع والإخفاء ذ ً لا وانكسارًا وصدقًا،

وهي تشير إلى قوله تعالى في آية أخرى: (( وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين

يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين )) (60،غافر) ، فمن ترك الدعاء

ولم يتذلل لله به كان من المستكبرين، المعتدين الذين لا يحبهم الله.

ثم إنه من العجيب -كما سلف- أن هذه الآية ختمت بقوله: (( إنه لا يحب

المعتدين )) ، وآية (( وادعوه مخلصين له الدين ) )افتتحت بقوله: (( قل أمر ربي

بالقسط )) ، وكأنه من موازين القسط في الدعاء الإخلاص فيه، بالضراعة والإخفاء.

وبين أمر الله بالقسط، ونفي محبته للمعتدين، تقابل ظاهر في المعنى، وإن كانت

هذه الآية كالشرح و التفصيل لتلك؛ فكأ. ا شرحت معنى الإخلاص في الدعاء ومعنى

القسط في المأمورات من العبادة. ولذلك جاء في معنى (( إنه لا يحب المعتدين ) )كما قال

المفسرون؛ إن الاعتداء برفع الصوت في الدعاء، أو أن يطلب مالا يليق أو مالا يجوز

كالنبوة، أو المعصية (1) . وقال الإمام الرازي: (كل من خالف أمر الله تعالى ونهيه،

(فقد اعتدى وتعدى) . (2

ولم ينته المعنى بنهاية الآية، وإنما هي موصولة بالتي بعدها بقوله: (( إنه لا يحب

المعتدين )) ، وكأن التهديد بحرمان المعتدين من محبة الله اقتضى عطف الإفساد (3) في

الأرض على اعتداء العباد بعضهم على بعض، فجاءت الآية التالية بعدها وهي

قوله تعالى: (( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) )مطلقة في تبيين الإفساد في

الأرض أيا ما كان نوعه، وهو يتناول الكليات الخمس التي اتفقت عليها الملل، وهي

.(الأديان والأبدان والعقول والأنساب والأموال(4

ثم تأمل كيف تنهى الآية عن سوء الأدب في الدعاء والاعتداء فيه إلى الاعتداء

بالإفساد في الأرض فإن من اعتدى مع ربه، فمن باب أولى يعتدي مع خلقه.

1)ينظر البحر المحيط ج 4 ص 307

2)التفسير الكبير ج 14 ص 132

3)ينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 173

4)ينظر التفسير الكبير ج 14 ص 133

ثم نتأمل في إطلاق (( المعتدين ) )دون تفصيل، وإن جاء في مقام الدعاء، وفي

إطلاق الإفساد بقوله: (( ولا تفسدوا ) )دون تحديد، وإن كان في حقوق العباد،

لتمكين دخول الثانية في الأولى والأولى في الثانية.

ونتأمل كذلك العطف بين هذين المتجاورين، ودخول الثانية. ذا العطف في

حكم الأولى، وكأ. ا من باب (( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا

. ( ) ) (النساء، 36

ويلاحظ أن التصريح بالبعدية في قوله: (( بعد إصلاحها ) )(تسجيل لفظاعة

الإفساد بأنه إفساد لما هو حسن ونافع، فلا معذرة لفاعله، ولا مساغ لعقله عند أهل

(الأرض.) (1

وإصلاحها كما ذكر العلماء إما على المصلحة التامة للخلق، أو بإرسال الرسل

وشرائعهم الداعية لكل إصلاح. يقول الرازي: (إما أن يكون بعد أن أصلح خلقها على

الوجه المطابق لمنافع الخلق، والموافق لمصالح المكلفين، وإما أن يكون المراد بعد إصلاح

(الأرض، بسبب إرسال الأنبياء، وإنزال الكتب.) (2

ونتأمل ما في الإصلاح الثاني، وهو إصلاح الرسل بالشرائع من إصلاح للأول

فشرائعهم إصلاح للناس، وبصلاحهم صلاح للأرض ومنافعها.

وكأن هذه الآية (( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) )، محور لعلاقات

القصص في السورة كلها وما جاء فيها، من دعوات الأنبياء عليهم السلام لإصلاح

أقوامهم، بعدما أفسده أقوامهم في الأرض.

وهذه الآية (( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) )تقابل آية الوصايا الرحمانية

و النداآت الربانية في أول السورة (( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ) )،وهذه

الآية إن دلت على أن الأصل في المنافع الحل والإباحة فهذه الآية: (( ولا تفسدوا في

الأرض بعد إصلاحها )) (دلت على أن الأصل في المضار الحرمة.) (3) ، فهذه مؤكدة لتلك

وراجعة عليها، وخصوصًا قوله: (( بعد إصلاحها ) )، فإن إصلاح الله لها هو زينته التي

1)التحرير والتنوير ج 9 ص 175

2)التفسير الكبير ج 14 ص 133

3)التفسير الكبير ج 14 ص 134

أخرج لعباده والطيبات من الرزق، وهو المعايش في قوله: (( ولقد مكناكم في الأرض

وجعلنا لكم فيها معايش )) .

ثم استأنفت الآية قوله تعالى: (( وادعوه خوفًا وطمعًا ) )، وهي امتداد خفي

للمعنى في (( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) )وناتجة عنه؛ فالدعاء خوفًا وطمعًا

كأنه استجابة للنهي في قوله: (( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) )خوفًا من

الفساد في النفس، والإفساد في الأرض للغير، وعاقبته في الدنيا والآخرة. وطمعًا في

الصلاح في النفس والإصلاح في الأرض للغير، وعاقبته في الدنيا والآخرة، فتعجب كيف

جمعت كذلك هاتين الكلمتين (( خوفًا وطمعًا ) )كل هذه المعاني البعيدة الخفية، في

وجازة وتقابل متلازمين.

ثم جاء قوله: (( إن رحمة الله قريب من المحسنين ) )وكأ. ا نتيجة تالية للدعاء

خوفًا وطمعًا فإن من أدام الدعاء خوفًا وطمعًا راقب الله في سلوكه، ليكون أه ً لا للإجابة

.(باذ ً لا لأسبا. ا، وكأنه يرى الله تعالى، فإن يرى الله فإنه يراه، وهذا مقام الإحسان (1

ولذا جاء الجزاء: (( إن رحمة الله قريب من المحسنين ) )مؤكدًا بإن و الاسمية، وذكَّر (

. (قريب) ؛ للتفخيم (2

وبلغ هذا الجزء من المعنى في هذه الآية إلىقرب رحمة الله، ثم جاءت الآية التي

بعدها بترول الرحمة، وهي الغوث والأمطار كما قال المفسرون (2) ، وهي من أعظم

رحمات الدنيا، وكأنه لما حصل الدعاء خوفًا وطمعًا وصلحت القلوب به، نزلت الأمطار

، فصلحت الأرض يقول تعالى: (( وهو الذي يرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته حتى إذا

أقلت سحابًا ثقا ً لا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك

نخرج الموتى لعلكم تذكرون ))

(.) ونتأمل الضمير في قوله: (( وهو الذي يرسل الرياح ) )وعودته إلى

من قوله: (( إن رحمة الله قريب ) )، وعلى الضمير في قوله: (( ألا له الخلق والأمر ) )،

من قوله: (( تبارك الله رب العالمين ) )، وما في تقديمه من (.) وعلى لفظ الجلالة

إفادة التخصيص، فهو المحرك لها وحده، ولا أحد غيره سبحانه. وقد أكد هذا

1)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 44

2)ينظر جامع البيان ج 8 ص 205 / والتفسير الكبير ج 14 ص 135

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت