فهرس الكتاب
ولعل المقصد من ذلك إبطال ما يقوله اليهود: إن الله استراح في اليوم السابع، فهو
كالمقصد من قوله تعالى: (( ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة
. (1) (( أيام وما مسنا من لغوب ) )(ق 38
ثم جاء قوله: (( يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا ) )في صورة استعارة في قوله:
(( يغشي ) )؛ حيث شبه حلول الليل بعد زوال النهار، وذهاب ضوئه، كأنه غطاه
.(وأخفاه، للدلالة على الإخفاء الكامل (1
وجاء الطلب في صيغة الفعل المضارع في (يغشى - يطلبه) لتجدد هذا الطلب
كل يوم، ويحضر بحركته و إغشائه في الأذهان، فتتحرك لتأمل تلك الحركة الحثيثة.
ثم جاءت كذلك المقابلة المتحركة المتتابعة بين غشيان الليل النهار، وغشيان النهار
الليل، وطلب كل منهما الحثيث للآخر، وتكامل الخلق خلال تلك الحركة، ثم انطواء
كل هذا بين طباق السموات و الأرض.
ثم نتأمل الرجوع إلى نسق المخلوقات: (( والشمس والقمر والنجوم مسخرات
بأمره )) ، و في ذكره لها سبحانه بعد ذكر استوائه على العرش قول للقفال وهو: أنه (لما
أخبر ج ّ ل شأنه العباد باستوائه، أخبر عن استمرار أمور المخلوقات على وفق مشيئته،
وأراهم ذلك فيما يشاهدونه، لينضم العيان إلى الخبر، وتزول الشبهة من كل
(الجهات.) (2
ووجه تقديم التغشية على التسخير الآتي في هذه الآية، وعكسه في آية الرعد هو
ما رآه أبو حيان إذ يقول: (والنكتة في ذلك؛ أن تسخير الشمس والقمر ُذكر هنالك من
قبل في تعديد الآيات، فلما فرغ ذكر إدخال الليل على النهار ليطابقه، ولأنه أظهر في
الآية، وأن الشمس مسخرة مأمورة، وههنا جاء به على أسلوب آخر تمهيدًا لقوله:
(( ادعوا ربكم ) )، أي: هذه ألطافه وآياته في شأنكم، فرجح جانب اللفظ على الأصل
1)التحرير والتنوير ج 9 ص 166
2)روح المعاني ج 8 ص 137
3)البحر المحيط ج 4 ص 307
فهو يرى أنه قدم الغشيان هنا على التسخير ليتهيأ التركيب للمعنى الذي تلاه،
وهو قوله: (( ادعوا ربكم ) )، في حين قدم التسخير على الغشيان في الرعد، لأن
السياق لتعديدالآيات.
ووضع قوله: (( ألا له الخلق والأمر ) )بلف ونشر مرتب (1) ؛ فهي تلخيص لما
نشر في أول الآية، ومعناها: (إرادته وكلامه) كما قال أكثر المفسرين (2) ، وقدم الجار
وضمير لفظ الجلالة (له) ، وسبق ب (ألا) التي للتنبيه، على خصوصية هذه الأفعال
بالله ربكم الواحد، وقرنت بألف الجنس أو الاستغراق من أجل ذلك، وليلحق الحصر
والتخصيص أجناس الخلق والأمر، ويستغرق كليا. ا التي لا تحد.
وقد بين الإمام الرازي تقسيمات المكونات بين الخلق والأمر حيث يقول: (إن
كل ما سوى الله تعالى إما من عالم الخلق، أومن عالم الأمر، أما الذي هو من عالم الخلق
، فالخلق عبارة عن التقدير، وكل ما كان جسمًا أو جسمانيًا كان مخصوصًا بمقدار معين
فكان من عالم الخلق، وكل ما كان بريئًا من الحجمية والمقدار كان من عالم الأرواح،
(( ومن عالم الأمر. (3
ثم جاء قوله تعالى: (( تبارك الله رب العالمين ) )خاتمة لما سبق وقد جاءت بنفس
ألفاظ فاتحتها (( إن ربكم الله ) )، وعائدة كذلك على كل ما سبق وزيادة؛ فقد جاء
اسما الألوهية و الربوبية (( إن ربكم الله ) )مضافًا إليهما (( العالمين ) )وهو أعم من فاتحة
الآية التي صيغت بالموصول: (( إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض ... ) )؛ لتعم
الخاتمة ما سلف في الآية وما يمتد منها وغيره، وهو كثير مما يظهر ويخفى من العوالم التي
لا. اية لها.
وقد جاءت هذه الكلمة المباركة (فتبارك الله رب العالمين) عند المفسرين
. (بمعنيين:(أحدهما: البقاء والثبات، والثاني: كثرة الآثار الفاضلة، والنتائج الشريفة.) (4
1)ينظر حاشية الشهاب ج 4 ص 292
2)ينظر التفسير الكبير ج 14 ص 123، والبحر المحيط ج 4 ص 309، ونظم الدرر ج 3 ص 42
3)التفسير الكبير ج 14 ص 119
4)التفسير الكبير ج 14 ص 119، وينظر نظم الدرر ج 3 ص 43