فهرس الكتاب
وقدم اليوم للاهتمام به، وللفت الانتباه إليه، وما فيه من الأهوال.
والآن رجعت الآية بتتابع تراكيبها مرة أخرى إلى ذلك اليوم، ثم أول ما جرى
على ألسنتهم يوم القيامة بتوكيد استيقنوه: (( قد جاءت رسل ربنا بالحق ) ).
وترتب على روؤيتهم الحق (1) يوم القيامة، تمنيهم في صورة الاستفهام؟ أمرين،
إما شفاعة الرسل أو المؤمنين الرحماء (( فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ) )، وإما الرجوع
إلى الدنيا مرة أخرى فيستعدون بعمل صالح غير الذي عملوه قبل، (ثم سببوا عن جواب
. (هذا الاستفهام الثاني قولهم:(( فنعمل غير الذي كنا نعمل ) ).) (2
وبما أن شفاعة الرسل للكافرين مستحيلة، وأن الرجوع إلى الدنيا بعد الموت
مستحيل، بني على تمنيهم ذلك جواب لكن ليس بالرفض والتيئيس مما تمنوه، و إنما
بالمفاجأة بالخسران، فاستأنف (1) قوله: (( قد خسروا أنفسهم ) )للتعجيل بأحزا. م.
ثم لأن الموقف موقف شفاعات ووساطات، قد يتذكرون ما كانوا يسمونه شفعاء
فعطف عليه قوله: (( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) )،،. (ويعبدو. م من دون الله (3
وهذه كذلك للتعجيل مرة أخرى بأحزان أخرى، وللتيئيس الكامل من النجاة.
وهكذا ينتهي هذا القسم بما بديء به وهو قوله: (( فمن أظلم ممن افترى على الله
كذبًا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاء. م رسلنا يتوفو. م
قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا )) ، وانتهى بذكر تكذيبهم بقوله:
(( هل ينظرون إلاَّ تأويله ) )، وذكر فقدانهم الشفعاء الذين كانوا يدعو. م من دون الله
في الدنيا (( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) ).
وهكذا تعانق طرفا هذا القسم، والتفتا مرة أخرى بعد طول امتداد.
157 _ 1) ينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 156
2)نظم الدرر ج 3 ص 40
3)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 40
(المبحث الخامس)
آيات الله الدالة على كمال القدرة والموجبة التوجه إليه بالدعاء والعبادة.
وهذا القسم آياته خمس تبدأ من قوله تعالى: (( إن ربكم الله الذي خلق
السموات والأرض في ستة أيام ... (54 ) ) )، وتنتهي بقوله: (( والبلد الطيب يخرج نباته
.(( (بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون (58
وكأن آيات هذا القسم راجعة إلى قوله تعالى في مطلع السورة عن آيات
الكتاب: (( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) )، فربكم الذي أنزل إليكم الكتاب على
رسوله، ودعاكم إلى اتباع آياته في كتابه هو ربكم الذي جعل لكم آيات أخرى في
كونه وسماواته وأرضه،.تدي. ا عقولكم وقلوبكم لو تأ. مَلتها ُ لهديت إلى الحق و اتباع
آيات الكتاب.
وعلاقة آيات هذا القسم بآيات القسم الذي قبله علاقة قوية جلية؛ فقوله في إقامة
الحجة على المكذبين: (( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ) )ظاهر ثم توبيخهم
و. ديدهم لانتظارهم تأويله (( هل ينظرون إلا تأويله ) )تا ٍ ل ومباشر. والتفتت هناالآيات
في هذا القسم إلى خطاب مباشر لهم يكلمهم فيه سبحانه بجلاله وعظمته، ليلفت أنظارهم
إلى عظيم قدرته في خلقه وكونه، وعظيم سلطانه وتدبيره وقهره (( إن ربكم الله الذي
خلق السموات والأرض في ستة أيام ... )) ثم ترتب على هذه القدرة وهذا القهر
استحقاقه تعالى العبادة ودعاؤه تضرعًا وخفيه، ومراعاة الأدب بعدم الاعتداء في الدعاء ((
ادعوا ربكم تضرعًا وخفيه إنه لا يحب المعتدين )) ، وهذه الآية (( إنه لا يحب المعتدين ) )
هيأت للمعنى التالي في الآية التالية؛ إذ مراعاة الأدب في دعاء الله تعالى وعدم الاعتداء فيه
يلزم معه مراعاة الأدب مع خلقه وأرضه، ليتوافق الدعاء والسلوك فجاء قوله: (( ولا
تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها )) لا حقًا ومبنيًا على المعنى الأول: (( ادعوا ربكم
تضرعًا وخفيه )) لأن تجنب الإفساد من أسباب إجابة الدعاء، وهي تعود مرة أخرى إلى
الآية قبلها: (( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض ) )، إذ بخلقه لها وبترتيبه
نظامها وشؤو. ا أصلحها، ثم لأنه من إدامة صلاح الأرض إدامة الدعاء والضراعة،
عطف عليه مرة أخرى: (( وادعوه خوفًا وطمعًا إن رحمة الله قريب من المحسنين ) )، فإنه
إن حصل صلاح القلوب حصل صلاح الأرض، ولذا ختمت الآية بحصول الرحمة
للمحسنين (( إن رحمة الله قريب من المحسنين ) )، وهي غوث وصلاح للقلوب، وغوث
وصلاح للأراضي.
وهذه الآية: (( إن رحمة الله قريب من المحسنين ) )ذكرت بشارة قرب الرحمة،
والآية التي بعدها عجلت. ا، فكان تدرجًا متواص ً لا في المعنى بين الآيتين، وهي قوله
: (( وهو الذي يرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته ) )، وكأن الآية الأولى استغاثة،
والثانية إغاثة.
وامتد معنى الإصلاح للقلوب والأراضي بترول الغيث في هذه الآية، وتعداه إلى
الإنبات والإحياء للقلوب والأراضي في الآية الثانية بعدها، وهي قوله: (( والبلد الطيب
يخرج نباته بإذن ربه )) .
وهكذا تبدو معاني هذا القسم متلاحمة متلاحقة في بناء واحد، وكأ. ا آية واحدة
، يطل أولها على ثانيها، ويلتف ثانيها على أولها.
وبعد هذا الإجمال لبناء المعاني وتناميها في هذا القسم، نتناول أطرافًا من بنائها
البلاغي.
الجزئية الأولى من المعنى وهي قوله تعالى: (( إن ربكم الله الذي خلق السموات
والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا والشمس
والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين )) وهي عرض
لقدرة الله وعظمته في ملكه، وفيها إقبال من الحق سبحانه بقوله: (( إن ربكم ) )على
عباده، يذكرهم بربوبيته، وتربيته لهم بخلقه هذا الكون الفسيح ليدلهم عليه به. وفيه
إشارة إلى أن الله هو الرب الحق، وأن الرب الحق هو الله المستحق للعبادة وحده، لأنه
الخالق الرازق النافع الضار وحده، ولذا تزايدت أدوات التوكيد في الآية؛ إن، وتعريف
الطرفين، والجملة الاسمية، ووضع الظاهر موضع المضمر في فاصلة الآية (( تبارك الله رب
العالمين )) ، وبالتكرار المعنوي في قوله: (( ألا له الخلق والأمر ) ).
وعليه فلا فرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، ولا انفصال بين الربوبية
والألوهية أص ً لا، فالرب الخالق الرازق الذي له النفع والضر وحده، هو الإله المستحق
للعبادة. ودعوى أن مشركي مكة موحدون في الربوبية بدلالة قوله تعالى: (( ولئن
سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر
ليقولن الله )) (العنبكوت(61 ) ) ) دعوى مردودة على من يقول أن مشركي مكة موحدون
في الربوبية؛ إذ لو أ. م اعتقدوا حقيقة أن الله هو الخالق الرازق، لاعتقدوا نفعه وضره
دون سواه، ولوحدوه في العبادة، ولكنهم اتخذوا آلهة أخرى اعتقدوا فيها نفعًا وضرًا
فعبدوها من دون الله. ولذلك. نقضت هذه الدعوى بآيات أخرى كقوله: (( ولا
يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا )) (80،آل عمران) وهي آية تثبت إشراكهم في
الربوبية، والتي صرحوا بعباد. م لها في آية أخرى بقولهم: (( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى
الله زلفى )) (39،الزمر) .
وهذا يؤيده كلام للبيضاوي في تعليقه على خاتمة الآية (( تبارك الله رب العالمين ) )
إذ يقول: (وتحقيق الآية والله سبحانه وتعالى أعلم؛ أن الكفرة كانوا متخذين أربابًا،
فتبين لهم أن المستحق للربوبية واحد، وهو الله سبحانه وتعالى لأنه الذي له الخلق
.(( والأمر (1
وقوله تعالى: (( الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ) )، جاء عنها حديث
فقال: خلق. قال: (أخذ بيدي رسول الله. الخلق في صحيح مسلم عن أبي هريرة
الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق
المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق
آدم بعد العصر يوم الجمعة، آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة،
. (فيما بين العصر إلى الليل.) (2
ثم جاء قوله تعالى: (( ثم استوى على العرش ) )(وقد سأل الإمام مالك بن أنس
رج ٌ ل عن هذه الآية فقال: كيف استوى على العرش؟ فأطرق رأسه مليًا وعلاه الرحضاء
، ثم قال: الاستواء معلوم، و الكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة،
. (وما أظنك إلا ضا ً لا، ثم أمر به فأخرج.) (1
وأورد الإمام البقاعي كلامًا حول هذه الآية عن دلالة (ثم) على عظمته تعالى وعلو
رتبته فقال: (ولما كان تدبير الخلق أمرًا باهرًا لا تسعه العقول، ولهذا كانت قريش تقول
كيف يسع الخلق إلها واحدًا؟!، أشار إلى عظمته وعلو رتبته، بأداة البعد فقال: (( ثم
استوى على العرش )) ، أي: أخذ في التدبير لما أوجده وأحدث خلقه أخذًا مستوفى
مستقصى مستق ً لا به، لأن هذا شأن من يملك ملكًا ويأخذ في تدبيره وإظهار أنه لا منازع
. (له في شيء منه) (3
ون. ص الطاهر بن عاشور علىأن (ثم) في الآية دلت على التراخي الرتبي في
الدلالة على عظمة استوائه على عرشه تعالى بالنسبة لخلق السموات والأرض وهو نفس
كلام البقاعي، يقول:(أي: وأعظم من خلق السموات والأرض استواؤه على العرش،
تنبيهًا على أن خلق السموات والأرض لم يحدث تغييرًا في تصرفات الله بزيادة ولا نقصان
، ولذلك ذكر الاستواء على العرش عقب ذكر خلق السموات والأرض في آيات كثيرة،
1)تفسير البيضاوي ج 4 ص 292
308 -2) البحر المحيط ج 4 ص 307
3)نظم الدرر ج 3 ص 41