فهرس الكتاب
للحديث عن أهل النار من. حرموا كل صنوف الرحمات (( ونادى أصحاب النار
أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله )) ، ويلاحظ ما في الفعل ((
أفيضوا )) دون (( أنزلوا أو ألقوا ) )من معاني الكثرة والغمر والتتابع، وما في قوله:
(( علينا ) )دون (إلينا) من معاني الشمول والتغطية الكاملة من حر النيران، وما في
تقديمهم طلب الماء على الطعام من دلالات اللهيب والاحتراق الذي ذكرهم بالماء قبل
الطعام، وفي تعميمه (( أو مما رزقكم الله ) )، من تطلعهم إلى كل رزق. يذهب شقاوا. م
ثم جاء جواب أهل الجنة مبنيًا على مظنتهم مجيء الرحمة ممن كانوا رحماء في الدنيا
، ففوجئوا. م (( قالوا إن الله حرمهما على الكافرين ) )، ووصفهم هنا بالكافرين يرجع
إلى وصفهم بالكفر في الآية التي قبل، حين أذن المؤذن بينهم باللعنة: (( فأذن مؤذن بينهم
أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغو. ا عوجًا وهم بالآخرة كافرون
وقولهم: (( إن الله حرمهما على الكافرين ) )اقتضى استدعاء أوصافهم
وأفعالهم وهي: (( الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا وغر. م الحياة الدنيا ) )، وهي من قول
أهل الجنة، وتصح أن تكون من كلام الله تعالى (1) ، فالآية متفرعة عن التي قبلها.
وفي مجيء الفعل (اتخذوا) بزيادة التاء من معاناة مخالفة الجبار والاجتراء على دينه
وشرائعه. واغترارهم بالحياة الدنيا من عطف العام على الخاص، وتقديم الأول لأنه أصل
معاصيهم، وعطف عليه الثاني ليعم كل مناحي اغترارهم بالحياة الدنيا. وفي تعديد
أفعالهم وتتابعها كذلك من تعداد للحسرات وتلوين للآلام والعذاب في النار.
ثم جاءت الآية التالية من قول الحق سبحانه متسببة (2) عن تلك الأوصاف ومجازاة
لذلك النسيان بعقوبة من جنس ما فرطوا (( فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما
كانوا بآياتنا يجحدون )) وفق أسلوب الكلام عن الأول مرتبة على اختلاف المتكلم
1)ينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 149
2)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 38
في قوله: (( الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا وغر. م الحياة الدنيا ) )، والذي رجحناه أنه من
.(كلام أصحاب الجنة (1
والعقوبة هنا جارية مجرى التمثيل، والنسيان بمعنى الترك أي: ننساهم ونتركهم
في النار نسيا. م لقاء هذا اليوم العظيم الذي لا ينبغي أن ينسى (2) ، وعلق النسيان
بالظرف (( اليوم ) )للدلالة على حرما. م من الرحمة في الوقت الذين هم في أشد الحاجة
.(فيه للرحمة (2
ثم استأنف علة أخرى مبنية على نسيا. م لقاء الآخرة، وهي جحودهم بآيات
ر. م (( وماكانوا بآياتنا يجحدون ) ).
وفي تخصيصها بالذكر تنويه بشأ. ا في الكفر، فهي وإن كانت مبنية على نسيا. م
لقاء الآخرة كباقي ما تناسوه إلا أ. ا حد فاصل بين الكفر والإيمان، فمن المؤمنين من
ينسى الآخرة والإعداد للآخرة، لكنه لا يجحد بالآيات بل يؤمن. ا، وهي راجعة إلى
قوله في مطلع السورة: (( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) ).
ثم كان قوله: (( وما كانوا بآياتنا يجحدون ) )تمهيدًا لتذكيرهم بما أنعم الله عليهم
بإنزال الكتاب، وما تولاه شأنه وتفصيله وتبين آياته، فجاءت الآية التالية معطوفة على
سابقتها (( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة ) )لتبين حالهم في الدنيا (3) (( ولقد
جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون )) .
وقد جاء الضمير في (( جئناهم ) ) (1) عائدًا على الذين كذبوا في قوله: (( إن
الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ... )) .
وفي الفعل (( جئناهم ) )مؤكدًا بقد، من الإنعام والإكرام ما يجعله راجعًا إلى قوله
: (( يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي
وينذرونكم لقاء يومكم هذا )) .
ثم في تنكير (( كتاب ) )تفخيم وتعظيم ما هو أهل لأن يهتدى به.
1)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 39 / وينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 149
2)ينظر روح المعاني ج 8 ص 127
3)ينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 151
واقتضى إنزال الكتاب تفصيل آياته تكرمًا وتفض ً لا، ولذلك جاء مرة أخرى قوله
: (( فصلناه على علم ) )، وهذه الآية تعود إلى قوله في مفتتح السورة: (( المص ) )،
أنا الله أعلم وأفصل)، وقوله: (( كتاب أنزل) :. ومعناها كما روى ابن عباس
إليك )) .
ونكَّر قوله: (( على علم ) )للتعظيم (1) ، و الإحاطة المطلقة.
ثم اقتضى بتفصيل الآيات وتبينها حصول هدايات ورحمات لمن يؤمن. ا، فترتب
على الآية السابقة قوله: (( هدى ورحمة لقوم يؤمنون ) )وفيها إشارة إلى أن المؤمنين هم
الذين توصلوا للاهتداء به والرحمة (1) ، ونكَّر (( هدى ورحمة ) )للدلالة على قوة هديه
.(ورحمته للناس (2
وكذلك جاء الفعل مضارعًا (( يؤمنون ) )؛ ليتنبهوا أن هدايات الكتاب ورحماته
لا تحصل إلا بتجديد الإيمان وتعهده.
وقوله: (( لقوم يؤمنون ) )مهدت للحديث عمن لا يؤمنون به (3) ويكذبون
بآياته، فجاء معنى ا لآية بعدها مهيأ. ذا التمهيد: (( هل ينظرون إلا تأويله ) ).
وهنا توجه الخطاب. ذا التهديد بالاستفهام الإنكاري إلى كفار قريش، وانعطف
نحوهم، ليحذروا هذا المصير. وهذا الخطاب فيه تمهيد لذكر حالتهم يوم القيامة
-إن كذبوا -، ويتحقق وعد الله به وما أعده لمن كذب به من العذاب.
فجاءت الآية بعده تستأنف الحديث بالتهديد والإنذار، وكأنه قيل: كيف يكون
حالهم حينها؟ فأجيب (3) : (( يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل
ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا
أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون )) .
وهنا جاء تعريف المكذبين بالاسم الموصول (الذين نسوه من قبل) للتعميم،
وليتأتى إحضار صفتهم السابقة في قوله: (( فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا ) )
، وسياقها الذي وردت فيه حين تقلبهم في العذاب والنيران.
153 -1) ينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 152
154_ 2) ينظر نظم الدرر ج 3 ص 39 / وينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 153
3)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 49