فهرس الكتاب
ثم تولد عن تعرفهم أهل النعيم وسلامهم عليهم تبيين لحالتهم مع أصحاب الجحيم
، ونقل لما كلموهم به، فجاءت الآية التالية مرتبه على ذلك السلام، وكأن السلام مهد
لتذكر وذكر الجحيم وأهل الجحيم، فجاء قوله تعالى: (( وإذا صرفت أبصارهم تلقاء
أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين )) . وهنا لم يكن نداءًا مباشرًا، وإنما
صرف إجباري من غير متعين (1) (( وإذا صرفت أبصارهم ) )، وكأ. م لا يرغبون في النظر
إلى الأهوال، وهي معطوفة على قوله: (( ونادوا أصحاب الجنة ) ) (2) ، وحين الصرف لم
يكن إلا الحزن والدعاء والضراعة: (( قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ) )، وكذلك
في تقييد القوم بوصف الظالمين استدعاء لقوله: (( وكذلك نجزي الظالمين ) )، وما يتبعه
من انجرار باقي صفا. م في الآيات السابقة، التي استوجبت لهم اللعنات والعذابات المتتابعة
ثم استدعىنظرهم إلى أهل النار، وضراعتهم إلى الله بالدعاء أن لا يجعلهم معهم،
)) (فاستدعى هذا توجهًا إلى أصحاب النار بالنداءومخاطبتهم باللوم والتقريع والتعنيف(2
ونادى أصحاب الأعراف رجا ً لا يعرفو. م بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما
كنتم تستكبرون )) .
. (وجاء الفعل المضارع(( يعرفو. م بسيماهم ) ).لما تغيروا به من العذاب (2
وهذه المساءلة التوبيخية اللائمة (( ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون ) )
جاءت معبرًا عنها بالفعل المضارع (( وما كنتم تستكبرون ) )لتذكيرهم بصور الاستكبار
والطغيان وإحضارها في عقولهم وهم في النار، وما كانوا يجددونه للمؤمنين من العداآت
والأذى ليزدادوا ندمًا وحسرة، ثم ذكر استكبارهم وطغيا. م، استدعى ذكر من تكبروا
وطغوا عليهم وهم المؤمنون، فجاءت الجملة بعدها عنهم (( أهؤلاء الذين أقسمتم لا
ينالهم الله برحمة )) بالإنكار عليهم وتوبيخهم وتقريعهم زادوا من تحزينهم وتأسيفهم
وتحسيرهم (1) . وهذا التقريع والتوبيخ لاعتدائهم على المؤمنين من جهة، ولاجترائهم على
الله العظيم من جهة أخرى، مما اقتضى أن يعاقبوا من قبل من اجترءوا على ذاته العظيمة
وأوليائه المحبوبين، بأن يصرح أمامهم مرة أخرى بقوله: (( ادخلوا الجنة لا خوف عليكم
1)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 37
ولا أنتم تحزنون )) ، فجاء هذا القول بالرحمة للمؤمنين مجازاة على جراءة ووقاحة
(الكافرين، ليزدادوا عذابًا فوق العذاب، ويزدادوا غمًا وحزنًا فوق غمومهم وأحزا. م (1
.والنيل هنا استعارة (2) لدخولهم في الرحمة.
وتأمل قوله: (( برحمة ) )كيف جاءت مفردة منكرة، للتقليل. وهنا مقابلة
معنوية خفية في تلك المحاورة بين قوله: (( لا خوف عليكم ) )أمام (( جمعكم ) )إذ كان
تجميعهم للمال والرجال (1) في الحروب وغيرها من أجل تخويف المؤمنين، فجاء الجزاء في
الآخرة برفع هذا الخوف في الجنة، وقوله: (( ولا أنتم تحزنون ) )أمام (( وما كنتم
تستكبرون )) فاستكبارهم وغطرستهم وإذلالهم المؤمنين ربما أحزن بعضًا منهم فجاءت
البشارة بإزاحة تلك الأحزان، ومجيء كلا الجزئين من جنس الكلمتين بالاسم في
الأول (( لا خوف ) )من (( جمعكم ) )، وبالفعل المضارع في الثاني (( ولا أنتم تحزنون
)) من (( وما كنتم تستكبرون ) )، وكأن نفي التحزن في الثاني يتجدد لهم مع كل تذكر
لتلك الابتلاآت والأحزان الماضية في الدنيا، ونتأمل كذلك ما في تكرير الضمير وإظهاره
(ولا أنتم تحزنون) من الكرامة التي لا. اية لها من إقبال ر. م عليهم. ا، وقيل: أن قوله
. (:(( ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ) )خطاب لأصحاب الأعراف (3
وإن كان كذلك فكل ما مضى من الدلالات البلاغية قائمة فيه وظاهرة به.
وهذا الجزاء راجع إلى قوله تعالى في. اية القسم السابق: (( فمن اتقى وأصلح
فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون )) ، وهذا الجزء من المعنى: (( لا خوف عليكم ولا
أنتم تحزنون )) مهد للحديث عن أهل الخوف والأحزان وهم أهل النار والجحيم وهيأ له،
فانتقلت الآيات إليهم وإلى تصوير ضنكهم وضيقهم وأهوالهم على ألسنتهم، ومنادا. م
لأهل الجنة، وكأنه لما ُفرغ كذلك من رجال الأعراف وما ّقرعوا به أصحاب
النار بقولهم: (( أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ) )كأ. م. جوزوا في
الجحيم باسترحام من أقسموا على من لا ينالهم الله برحمة!! واستعطاف من احتقروهم
واستكبروا عليهم، وكأن هذا القول: (( لا ينالهم الله برحمة ) )هيأ المعنى كذلك
1)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 37
2)ينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 147
3)ينظر روح المعاني ج 8 ص 126