فهرس الكتاب
وجملة (( ونادى أصحاب الجنة ) )يجوز أن تكون معطوفة على قوله: (( وقالوا
الحمد لله )) ، ويجوز أن تكون معطوفة على قوله: (( ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها
وهنا في إثبات المفعول الأول (( وعدنا ) )من التلذذ والحلاوة ما فيه، وحذفه من
.(الثاني لأ. م مكذبون بذلك الموعود، ولأنه ساءهم (2
ثم بنى على هذه المساءلة أذان المؤذن باللعنة على الظالمين بفاء السببية (1) . (( فأذن
مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين )) ، وكأنه لما حصل المقصود من المساءلة وهو إتمام
سعادة أهل النعيم، وزيادة شقاوة أهل الجحيم، جاء الأذان (( أن لعنة الله على الظالمين
)) لتزداد به مرة ثانية سعادة هؤلاء وشقاوة أولئك. وإعلانه بالجملة الاسمية فيه إشارة إلى
خلودهم في تلك اللعنات. ثم في مجيئه بوصف الظالمين استدعاء لآيتها (( وكذلك
نجزي الظالمين )) ، وما انعطفت عليه من الآيات التي فيها باقي أوصافهم وأحوالهم. وهي
هنا وصلة للآيات التي جاءت بعدها، وتعلقت عليها باقي أوصافهم وأعمالهم الظالمة التي
كانوا يعملو. ا في الدنيا، لما في تعديدها عليهم وتذكيرهم. ا من زيادة الإشقاء و التحسير
وهي قوله: (( الذين يصدون عن سيبل الله ويبغو. ا عوجا وهم بالآخرة كافرون ) ).
ووصفهم بالموصول لتسني الوصف بجملة الصلة، ومجيء الصفتين الأوليين:
(( يصدون ) )و (( يبغو. ا ) )فعليتان فيه دلالة على تجديدهم أعمالهم هذه في كيفيتها
ووسائلها، ومداومتهم على ذلك، ودلت صفتهم الثالثة التي صيغت بالاسمية وتكرير
ضمير الفصل (هم) : (( وهم بالآخرة كافرون ) )على إصرارهم على الكفر وتأصله
فيهم، فلا يتغير ولا ينزاحون عنه بالآيات.
وتأمل التعداد الذي في كل صفة من أوصافهم؛ فيه تفصيل وتوكيد بعد توكيد،
وتعاقبه بالواوات مؤذن بكثرة مظالمهم وتغايرها، وأن كل عمل له من الشناعة والبشاعة
ما ليس في الآخر.
ثم تتبع هذه الآية بآية أخرى لاحقة. ا، فإن اعتلاء حسرات أهل الجحيم وطولها
بسماع أذان المؤذن باللعنة المؤبدة، يستدعي تساؤ ً لا عن تنغص أهل النعيم بجحيم هؤلاء
135 -1) ينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 134
2)ينظر الكشاف ج 2 ص 106
الأشقياء، وهل ستدوم تلك المواجهة والمساءلة؟ فأتى الجواب مباشرة في الآية التالية
: (( و بينهما حجاب ) )، استئناف بياني، للتعجيل ببشارة الحجب وزوال ذاك التكدير
و التنغيص إلى الأبد، بدلالة الثبوت في التعبير بالجملة الاسمية، وبتقديم الجار وا. رور ((
و بينهما )) ، وماله من حمل هذه المعاني بأمر حجبهما، والفصل بينهما للاهتمام بإتمام
.(أفراحهم ومسرا. م (1
ثم جاءت الآيات إلى القسم الثالث من أقسام الناس يوم القيامة، وهم رجال
الأعراف من استوت حسنا. م وسيآ. م، ويكونون على الأعراف، وهو سور مرتفع بين
الجنة والنار، وكأنه لما فرغ من أمر المؤمنين واستقروا في دار النعيم، وفرغ من أمر
الكافرين واستقروا في دار الجحيم بقي هؤلاء بين بين. فانتقلت الآيات إلى الحديث عنهم
للنظر في أمرهم والقضاء في شأ. م، وجاءت مرتبة ترتيبًا رحيمًا مقصودًا بعد أن يطلعهم
ر. م على النعيم وأهله، والجحيم وأهله، لترق قلو. م فتتطلع بالرجاء والدعاء إلى الرحيم
أن ينظر إليهم ويرحمهم و يصييرهم مع أهل النعيم (( وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا
بسيماهم )) .
وفي تقديم الجار وا. رور اهتمام به للفت الأسماع إلى الأعراف، وكأ. ا تنظر إلى
من عليها، وتتشوف إلى شأ. م، وتعريف الأعراف بأل العهد، لإفادة معنى (الأعراف
. (المعهودة، التي تكون بارزة في أعالي السور.) (2
ثم اقتضت المعرفة، إلقاء التحية والسلام على أهل الجنة، فجاءت الجملة بع. د
مرتبة على هذا التعارف والاتصال (( ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم ) )(وفيه
إيذان بلقائهم في الجنة ودخولها.) (1) ، وقوله: (( لم يدخلوها وهم يطمعون ) )جواب
(لسؤال وكان نداؤهم بعد دخولهم الجنة؟ فقيل:(( لم يدخلوها وهم يطمعون ) )(3
وجاء الطمع بالفعل المضارع (( يطمعون ) )للإشارة إلى تجدده وتتابعه في قلو. م
واشتغالهم به.
1)ينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 140
143 -2) التحرير و التنوير ج 9 ص 142
141_ 3) ينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 140