فهرس الكتاب
التخصيص بتعريف المسند، ومجيء الموصول والصلة قصة معلومة، ومعناها الذي يعلم
.(الناس أنه يرسل الرياح (1
ونتأمل كذلك ما للواو من عطف وتعداد للصفات الإلهية الجلية، وتقرير أفعال
الربوبية.
ثم إن الواو عطفت كذلك الآية: (( وهو الذي يرسل الرياح ) )على قوله: ((
. (إن ربكم الله ) ) (2
ونرى ما لهذا العطف من عرض لمظاهر القدرة الإلهية الرحيمة، إذ إنه لما كان
خلق السموات والأرض، وتعاقب الليل والنهار بينهما، والذي في تعاقبهما حياة للأحياء
وإفناء لأعمار الأموات، ولما كانت الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، وما في
تسيير هذه الكواكب بأمره وإرادته من إمطار وإنبات وإثمار، مما يكون سببًا في حياة
الأحياء، كانت الأمطار التي هي رحمته آيتي الخلق والأمر، وهي من خلقه، وتترل بأمره
، و. ا يكون حياة الخلق.
وعبر بالجملة الفعلية فعلها مضارع (( يرسل الرياح ) )التي تفيد التجدد
الاستمراري؛ لأنه مظهر من مظاهر الرحمة؛ إذ مقتضى الربوبية رحمة الخلق بالإمطار
كلما احتاجوا إليه، وفي التعبير بالفعلية كذلك نقل لصورة لارسال الرياح حاملة
السحاب وصو. ا وحركتها في الأذهان والأبصار، وكأ. ا تشاهدها حاضرة أمامها
وتشاهد القدرة والعظمة الإلهية في إنزالها.
وجاء التعبير عن رحمة الله سبحانه با. از؛ إذ سبب التعبير باليدين(أن اليدين
يستعملهما العرب في معنى التقدمة، على سبيل ا. از، يقال إن الفتن تحدث بين يدي
الساعة، يريدون قبيلها، والسبب في حسن هذا ا. از؛ أن يدي الإنسان مقدماته، فكل
ما كان يتقدم شيئًا يطلق عليه لفظ بين يديه، على سبيل ا. از، لأجل هذه المشا. ة، فلما
كانت الرياح تتقدم المطر لا جرم عبر عنه. ذا اللفظ) (3) ، وا. از هنا للدلالة على قرب
الرحمة وهي المطر، وله دلالة أخرى. ذا اللفظ بالتعبير باليدين من حيث غلبة الرحمة
1)من إضافة الأستاذ المشرف د/ محمد أبو موسى.
2)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 44
3)التفسير الكبير ج 14 ص 140
وشمولها، يقول البقاعي: (لعله عبر فيه باليدين اليمنى واليسرى لدلالته-مع ما فيه من
.الفخامة- على أنه تارة يكون رحمة وتارة يكون عذابًا، كما كان على قوم نوح
. (، وإن كانت الرحمة فيه أغلب وهي ذات اليمين.) (1
ثم قوله تعالى: (( حتى إذا أقلت سحابًا ثقا ً لا سقناه لبلد ميت ) )، جاءت فيه
حتى لغاية إرسال الرياح، وهو حمل السحاب للبلد الميت، وفي الالتفات بنون العظمة
(( سقناه ) )دلالة على التمثيل (2) بالنعمة وإظهار القدرة.
ثم مجيء وصف الأرض الجدب بقوله: (( ميت ) )؛ لعدمية النفع والفائدة حسنت
.(به الاستعارة (3
ونتأمل ما في كلمة (( ميت ) )من إحضار مباشر للجسد الميت في الأذهان،
وكيف نقلت المشا. ة الكاملة بسرعة بين موت الأرض وموت الإنسان، وكيف أحضرت
كذلك ذيل الآية: (( كذلك نخرج الموتى ) )، ومهدت له، ثم قوله: (( فأنزلنا به الماء
فأخرجنا به من كل الثمرات )) و (الباء الأولى هنا ظرفية أو سببية، و الباء الثانية عائدة
. (على(الماء) ، و (الثمرات) أي الحقيقيه على الأشجار، وا. ازية من النبات وحبوبه) (2
وانظر إلى التشابه الأسلوبي بين جزئي الآية الكريمة في قوله تعالى: (( فأنزلنا به ) )
و (فأخرجنا به) ، وما في عودة الضمير في نون العظمة إلى الواحد في بدء الآية. (( إن
ربكم الله )) ، وكأن الأسلوب الواحد في الفعلين المختلفين، يدل على الواحد الذي له
وحده الخلق والأمر، و الفاء في الفعلين ودلالا. ما على التعقيب والترتيب؛ فترول الماء
مرتب على إقلال الرياح للسحاب الثقال بأمر القدرة الإلهية، وخروج الثمرات مرتب
على إنزال الماء حيث تشاء القدرة الإلهية، ثم تأمل تباين المفعولين (( الماء ) )و (( من كل
الثمرات )) ، و ما ينتجه الأول وهو الماء، رغم أنه جنس واحد من صنوف الثمرات(
أي: من كل أنواعها، لأن الاستغراق غير مراد ولا واقع.) (3) ومختلف الحبوب والنباتات
، وما فيه من آثار عظيم الرحمة الإلهية، وواسع الفضل الرباني.
45 -1) نظم الدرر ج 3 ص 44
2)ينظر البحر المحيط ج 4 ص 317
3)روح المعاني ج 8 ص 146