فهرس الكتاب
ثم إن فيه إشارة إلى أن اتباع الكتاب المنزل، تحصل به صنوف الهدايات
والفتوحات والعلوم والمعارف و الإكرامات، التي ينبتها الله في قلوب أهلها، حسب مالها
.(من الطاقة والاستعداد (1
ثم إن التأمل في دلالة هذه الأفعال الماضية(أقلت، سقناه، فأنزلنا به، فأخرجنا به
)يشير إلى أن السوق والإنزال والإخراج وفق مشيئة قضت وقدرت فيما معنى، وهذه
الآية الكريمة: (( فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات ) )عائدة على قوله تعالى في
آيات الوصايا الرحمانية و النداآت الربانية: (( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده
والطيبات من الرزق )) .
ونلاحظ فيها كذلك وحدة الفعل في قوله: (( أخرج ) )وقوله: (( فأخرجنا به ) )
، وهي عائدة كذلك إلى قوله: (( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش
قلي ً لا ما تشكرون )) وقوله: (( ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ) ).
ثم جاء قوله تعالى: (( كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ) )، وهي آية تعود
على قوله: (( كما بدأكم تعودون ) )، وعلى قوله قبل: (( قال فيها تحيون وفيها تموتون
ومنها تخرجون )) ، وقوله: (( كذلك نخرج الموتى ) )إذ (فيه إشارة إلى إخراج
. (الثمرات، أو إلى إحياء البلد الميت.) (2
وتأمل فيها لفظ اسم الإشارة (( كذلك ) )، وكيف نقلت هذه الكلمة الشبه بين
الموتين و الإحيائين، وكيف انجرت صورة وحركة الإحياء الأول في الأراضي الميتة بسياقه
وألفاظه كلها إلى الإحياء الثاني، دون تكرار بذكر الصورة والسياق، مع أخذ لفظ الفعل
الأخير (( فأخرجنا ) )إلى الفعل (( نخرج ) )ليكون من جنسه، ولتكون النتيجة واحدة
في الإحيائين بتجانس اللفظين.
1)ينظر روح المعاني ج 8 ص 162
2)روح المعاني ج 8 ص 146
ثم إن هذه الصورة المنقولة باسم الإشارة (( كذلك ) )، (مثل ضربه الله تعالى
. (للمشركين من عبدة الأصنام المكذبين بالبعث بعد الممات) (1
ولعله أريد. ذه الآية - والله أعلم - إخراج الهداية الرحمانية للقلوب بعد مو. ا
بالكفر و الغفلات بإحيائها بآيات الكتاب المترل إلى الإيمان والذكر كما في قوله: (( أو
من كان ميتًا فأحييناه )) (122 الأنعام) .
ولعل هذا المراد من المعنى الذي تلمح إليه الآية، يتقوى بالآية التي بعد هذه الآية
وهي قوله: (( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا ) )،
وكأن قوله: (( كذلك نخرج الموتى ) )بمعناها الثاني الذي ألمحت إليه، كأ. ا لحمة وصل
بين الاثنين، بل هي بداية للمعنى الجديد في الآية الثانية، الذي هو كالشرح والتفصيل
لها، فلم ينت. ه معناها بانتهائها، بل هي. اية لآيتها، وبداية لمعنى الآية التالية،
وخصوصًا أن آية (( والبلد الطيب ) )هي مث ٌ ل ض. ر. ب. ه الله للمؤمن والكافر، كما
صرح بذلك أغلب المفسرين رحمهم الله تعالى (فالبلد الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه
. (، مثل للمؤمن، والذي خبث لا يخرج إلا نكدا، مثل للكافر.) (2
فصورة الإنبات المنقولة في الأرضين الطيبة والخبيثة، مرادة في الآية، للتشبيه
والتمثيل، لا على ظاهر معناها فقط، وعليه تكون الآية (( كذلك نخرج الموتى ) )بمعنى
الذي نقله. الإخراج إلى الهداية أليق بمعنى الآية وسياقها، ويعضد هذا قول ابن عباس
عنه أبو حيان في تفسيره - وإن كان رأي أبي حيان أن الآية على ظاهر معناها -، يقول
:(و الأظهر ما قدمناه، من أن المقصود التعريف بعبادة الله تعالى في إخراج النبات في
الأرض الطيبة، والأرض الخبيثة، دون قصد إلى التمثيل بشيء مما ذكروا) (1) ، أي من هم
على رأي ابن عباس، يقول ابن عباس وقتادة رضي الله عنهما:(مثا ٌ ل لروح المؤمن،
يرجع إلى جسده سه ً لا طيبًا كما خرج إذا مات، ولروح الكافر لا يرجع إلا
):. بالنكد كما خرج إذا مات) (3) . قال أبو حيان معلقًا على قول ابن عباس
فيكون هذا راجعًا من حيث المعنى إلى قوله: (( كذلك نخرج الموتى ) )أي: على هذين
1)جامع البيان ج 7 ص 210
2)جامع البيان ج 7 ص 212 / وينظر روح المعاني ج 8 ص 147
3)البحر المحيط ج 4 ص 319
الوصفين.) (1) ، والعجيب أنه رجع معلقًا على قوله تعالى: (( إلا نكدا ) )بقوله: (وهي
. (إشارة إلى أن من استقر فيه وصف الخبث يبعد عنه التروع إلى الخير.) (1
وكذلك يعضد القول بالإخراج بالهداية في قوله: (( كذلك نخرج الموتى ) )قول
القاضي شهاب الدين في تعليقه على كلام البيضاوي قائ ً لا في قوله تعالى: (( والبلد الطيب
يخرج نباته )): (استطراد واقع على أثر ذكر المطر الذي هو توطئة لقوله: (( كذلك
. (نخرج الموتى ) ) أي: هو تمثيل.) (1
ثم إن هذه الآية (( والبلد الطيب ) )جاءت موصولة بالواو لاستئناف الحديث عن
الإحياء وصنوفه، فقد اقتضى إخراج الموتى المشا. ة لإخراج صنوف النباتات، اقتضى
تفصي ً لا من جهة صنوف الإخراج والإحياء فجاءت الآية التالية للحديث عن المشا. ة من
هذه الجهة.
ثم إن الحديث عن صنفي الإخراج في صورة مقابلة وافية كاملة، بألفاظ يسيرة
معدودة، أنبأت عن محذوفات هي مقابلة لها في المعنى؛ فقد حذف الحال الأول: أي:
يخرج نباته وافيًا حسنًا بمقابلة (( إلا نكدا ) )، ثم حذف من الثاني كذلك كلمة (( بإذن
ربه )) ، وخص بالأول على سبيل المدح والتشريف، وحذف الموصوف أيضًا و التقدير:
. (( والبلد الذي خبث) لدلالة (البلد الطيب) عليه (2
ثم تأمل في كلمة (( الطيب ) )، وتميزها بالاسمية عن مقابلتها من معاني الثبوت
والدوام والاستمرارالذي لهذه الأرض، وما يخرج منها، وكأ. ا تشير إلى الآية الكريمة ((
ذرية بعضها من بعض )) (34 آل عمران) ، فمشا. ة الأصل الطيب من الطيب الذي يتوارث
يتنقل إلى الفرع في الغالب، ونتأمل كذلك خروج الخبيث، و مجيء الجملة الثانية
فعلية للدلالةعلى التجدد والحدوث، (( والذي خبث لا يخرج إلانكدا ) )،
ومجيئه في صورة الحصر أي: (قلي ً لا، ضعيف المنفعة.) (3) ، وهذا ما أشار إليه
(الإمام الرازي بقوله:(هذه الآية دالة على أن السعيد لا ينقلب شقيًا، وبالعكس.) (4
1)حاشية الشهاب ج 4 ص 298
2)ينظر البحر المحيط ج 4 ص 318
3)نظم الدرر ج 3 ص 46
4)التفسير الكبير ج 14 ص 144
ثم جاء قوله تعالى: (( كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون ) )خاتمة الآية على
شاكلة (( كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ) )، والتشابه بين الخاتمتين في التذييل، و
في الأسلوب، فقد تكرر اسم الإشارة (( كذلك ) )، وجاء الفعلان: (( نخرج ) )،
(( نصرف ) )بصيغة الفعل المضارع، مبدوءًا بنون العظمة، وهو عائد على (( إن ربكم
الله )) و (( تبارك الله رب العالمين ) )لتحضر القلوب عظمة تجدد الآيات وعظمة
تصريف القدرة الإلهية لها. وإن كانت دلالة الفعل الثاني (( نصرف ) )أعم و أوسع من
دلالة الفعل الأول، فتصريف الآيات شامل للأحياء وغيره من المخلوقات، لأن آية ((
لقوم يشكرون )) كأ. ا تعرض بالذين لا يشكرون ممن عناهم إبليس اللعين بقوله في
مقدمة السورة: (( ولا تجد أكثرهم شاكرين ) )بتضليله إياهم وغواياته لهم.
و. ذا تنتهي هذه الجزئية من المعنى في هذا القسم بذكر الآيات (( كذلك نصرف
الآيات لقوم يشكرون )) وعادت خاتمته على بدايته وهي آيات الله في كونه (( إن ربكم
الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ... )) ، لأن آية (( والبلد الطيب ) )
تفصيل وشرح لآية: (( كذلك نخرج الموتى ) )، لذا ختمت الثانية ب (( نصرف الآيات
)) في حين ختمت الأولى بالإخراج، لأ. م ينكرون الطريقة.
وبنهاية آيات هذا القسم تنتهي آيات الفصل الأول ما قبل القصص.
الفصل الثاني
البناء البلاغي للقصص
وفي هذا الجزء من السورة وهو الأوسط انتقال إلى معنى جديد وهو قصص الأنبياء
، وإن لم يكن انتقا ً لا، لأن ما قبله موصول به ومربوط في معناه، وامتداد واقعي له،
فالعلاقة بينهما حية خفية، وخصوصًا الآية الأخيرة: (( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن
ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون )) بل إن هذه
الآية كأ. ا تمهيد لآيات القصص التالية لها وكأ. ا حكاية وتفصيل للنبت النكد ومواقف
أهله من النور الذي جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وكأن ذيل الآية: (( كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون ) )تعريض بأتباع محمد
وكأنه بشارة لهم بأ. م النبت الطيب الذين هم،. من ُأنزل عليهم القرآن بمحمد،.
المعنيون به بقوله: (( واتبعوا النور الذي أنزل معه ) ).
وآيات القصص في هذا الفصل عائدة على قوله تعالى في مقدمة السورة: (( وكم
من قرية أهلكناها )) ، وقوله: (( فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) )
، وقوله: (( ولا تجد أكثرهم شاكرين ) )وقوله: (( يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم
يقصون عليكم آياتي )) .
وقد خصصت هذه السورة بذكر هذه القصص دون غيرها من قصص القرآن (
لأن أصحا. ا اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم فتوهموا أ. م على الطريق، فذكرها الله
. (تنبيهًا لقوم محمد عليه الصلاة و السلام عن الاحتراز من مثل تلك الأعمال.) (1
وهذا الفصل أطول فصول السورة، وهو الوسيلة لقوله: (( فلا يكن في صدرك
بقوله: (( لقد أرسلنا نوحا إلى قومه. حرج منه ) )، ويبدأ من أول قصة نوح
مع قومه في قوله: (( ... فاقصص القصص. 59) إلى. اية قصة موسى) (( ...
. (لعلهم يتفكرون ) )(176
ويتكون هذا الفصل من سبعة مباحث:
مع قومه. . المبحث الأول: قصة نوح
مع قومه. . المبحث الثاني: قصة هود
مع قومه. . المبحث الثالث: قصة صالح
مع قومه. . المبحث الرابع: قصة لوط
مع قومه. . المبحث الخامس: قصة شعيب
المبحث السادس: وقفة لأخذ الموعظة والعبرة، و. ديد ووعيد.
مع قومه وهي جزآن. المبحث السابع: قصة موسى
مع فرعون وملئه. . الجزء الأول: قصته
مع نبي اسرائيل. . الجزء الثاني: قصته
هذه أهم أصول تقسيمات معاني هذا الفصل، وهي كذلك مقصد واحد، لكن
قسمتها حتى يسهل علينا تتبع علاقات بعضها ببعض، وابتناء أجزاء أقسامها، وقيام
بعضها على بعض، ثم محاولة التقاط بعض صورها البلاغية.
1)التفسير الكبير ج 14 ص 188