الصفحة 103 من 129

(المبحث الأول)

مع قومه. . قصة نوح

إلى قومه، ودعوته إياهم إلى عبادة الله وحده. ويبدأ هذا القسم بإرسال نوح

، (( لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه ... ) )وتحذيره لهم من عقوبة الإعراض، ثم ترتب على

هذه الدعوة موقف قومه منه با. امهم له بالضلال (( قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال

مبين )) ثم ترتب على هذا الا. ام دفاع نوح عن نفسه بنفي الضلالة، وإثبات رسالته

لنفسه، وغايته منها (( قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين ) ).

ثم لما لم تكن إجابة بعد التوضيح والدفاع ترتب على هذا الإعراض والإصرار

والمؤمنين الذين اتبعوه (( فكذبوه فأنجيناه. نزول العذاب. م بالإغراق، و إنجاء نوح

والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا )) .

هذا هو تسلسل المعنى في هذا القسم وهذا بناؤه، ونعود الآن إلى توضيح وإضاءة

بعض جوانب بنائه البلاغي.

الجزئية الأولى من المعنى، قوله تعالى: (( لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه فقال يا قوم

اعبدوا الله مالكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم )) .

ونلاحظ أن قوله: (( لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه ) )جاء مجردًا من أدوات العطف

لأ. م أول أمة على وجه الأرض، و عندهم قوة أعظم من قوى غيرهم من الأمم (1) ، ولأنه

.(فيعطف عليه (1. لم يتقدم ذكر رسول قبله

جاء. وأتى بحرف الواو في سورتي (هود) و (المؤمنون) لأن ذكر نوح

. (صريحًا في سورة هود، وجاء ضمنًا في(المؤمنون) (2

وافتتحت قصته كذلك بحرف لإثبات المتوقع، وهو (لقد) ؛لأن السامع متشوف

إلى ذكرها ولأ. ا لام قسم محذوف لا. ينطق غالبًا إلا. ا (3) اولأ. ا تساق لتأكيد الجملة

.(المقسم عليها التي هي جوا. ا وهي مظنة توقع عند المخاطب(2

1)ينظر البرهان في متشابه القرآن ص 187

2)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 47

3)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 47

1 2) ينظر التفسير الكبير ج 14 ص 47

. (وقال(( إلى قومه ) )لأنه أرسل إليهم وهم أمة واحدة لم تختلف لغتها) (1

أول رسالة جاءت عقب. ثم دلت الفاء في قوله: (( فقال يا قوم ) )على أن رسالته

. (إرساله(1) ، ولأن الفاء هي الأصل، ولم تذكر في القصتين التاليتين اكتفاء بالربط(3

اعبدوا الله مالكم من إله غيره )) ثلاثة أمور: )):. وفي قوله

وعلله بقوله: (( مالكم من إله غيره ) )فهو،. الأول: أمرهم بعبادة الله

المستحق للعبادة وحده تعالى، وهو تأكيد للكلام الأول، ثم علل مرة أخرى لكلامه كله

بقوله: (( إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ) )(فالتعليل الأول لبيان الداعي إليها،

(والثاني لبيان الصارف عنها) (4) ، (والعذاب العظيم إما يوم القيامة أو عذاب الطوفان) (5

، وأطلقه ليعم العذابين، ونكَّر (عظيم) للتهويل و التفظيع.

وقال في سورة (المؤمنون) : (( ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ) )، رغم أن

القصة واحدة: وتفسير الألفاظ فيه تفنن للكلام و تغير للأسلوب لإيقاع الوعظ في

.(قلو. م (6

وتفرع عنه موقف قومه منه فجاء،. واكتمل هذا المعنى وهو دعوته قومه

قوله تعالى: (( قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين ) )متولدًا عن المعنى الأول،

(وكأنه قيل: فماذا كان جوا. م؟) (7) فأتى الجواب: (( قال الملأ من قومه ) )،فهو

استئناف بياني.

وهنا عبر عن قومه بصفة الملأ دون وصف الكفر لأن المؤمنين قليل مستضعفون،

.(والكافرون هم الأكثر، وهم العلية الأشراف (8

ونلاحظ في قولهم: (( إنا لنراك في ضلال مبين ) )كثرة أدوات التوكيد؛ النون

المؤكدة، واللام، واسمية الجملة، ووصف حالة ضلالة بالظرف (في) للمبالغة

في إحاطة الضلال به، وانغماسه فيه، وتقيد الضلال كذلك ب (مبين) ، وإيثار فعل

3)ينظر البحر المحيط ج 4 ص 320

4)تفسير أبي السعود ج 2 ص 502

5)التفسير الكبير ج 14 ص 148

6)ينظر درة التتريل وغرة التأويل ص 83

7)نظم الدرر ج 3 ص 48

8)ينظر نطم الدرر ج 3 ص 48

الروؤية (نراك) بد ً لا من غيره، وكأنه أصبح شيئًا محسوسًا مرئيًا، وقد دل على عظم

الافتراء والبهتان (1) ، وشدة المعاندة والتكذيب.

ذا الافتراء، جاءت الآيات إلى موقفه. . وبعد جواب الكافرين على نوح

منهم، ومحاولته دفع. متهم الباطلة المفتراة، فجاء قوله تعالى: (( قال يا قوم ليس.

بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين )) مبنيًا على ا. امهم.

وقد نفى به الضلال عن نفسه على أبلغ وجه فإن التاء للمرة ... فيرجع حاصل

. (المعنى ليس بي أقل قليل من الضلال فض ً لا عن الضلال المبين.) (2

ثم استدرك (( ولكني رسول من رب العالمين ) )وهو تأكيد للمعنى السابق وزيادة

عليه، إذ نفى الضلال وأثبت ضده وهو الهداية بالرسالة (على أقصى ما يمكن كما نفى

. (الضلالة لذلك) (2

ونلاحظ أن ربط رسالته برب العالمين لترقيق قلو. م، وليشعرها بنعمة الله عليهم

بإرساله إليهم، وهي عائدة على (( يابني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم

آياتي )) .

ثم جاء قوله: (( أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم ) )وفيه بين لهم(المقصود من

الرسالة أمران: الأول تبليغ الرسالة، والثاني: تقرير النصيحة، والأول يتعلق بالأحكام

والتكاليف من أوامر ونواه، وفي جمع الرسالة: يدل على أنه تعالى حمله أنواعًا كثيرة من

الرسالة، والثاني: معناه أن أبلغ إليكم تكاليف الله، ثم أرشدكم إلى الأصوب الأصلح

وكذلك،. وأحب إليكم ما أحبه لنفسي.) (3) ، وفيه دلالة على أمانته وعزيمته

نلاحظ أمانته و عزيمته في الفعلين المضارعين (أبلغكم، أنصح لكم) لدلالة التجدد

والحدوث التي يفيدها التعبير بالفعل المضارع.

ورد الضلال عن نفسه بقوله: (( وأعلم من الله ما لا تعلمون ) )، وبين وأفاد أن

.(عنده علومًا لا يعلمو. ا بغير رسالته، فض ً لا عن أن يكون ضا ً لا(4

1)ينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 180

151_ 2) روح المعاني ج 8 ص 150

3)ينظر التفسير الكبير ج 14 ص 151

4)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 49

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت