الصفحة 104 من 129

وهذه الآية: (( أبلغكم رسالات ربي ) )لها اتصال بقوله تعالى في مطلع السورة

: (( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) ).

بقوله: (( أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على. ثم استأنف كلامه

إنكاري (1) توبيخي أي: لا ينبغي أن يكون، (والواو. رجل منكم ) ) واستفهامه هنا

. (فيه للعطف، والمعطوف عليه محذوف كأنه قيل: أكذبتم وعجبتم أن جاءكم؟.) (2

وقوله: (( ذكر من ربكم ) ) (أي: مترل على رجل، وقوله:(( منكم ) )أي:

تعرفون نسبه فهو منكم.) (2) ، فالأمران لا عجب فيهما، لأن إرادة الله وقدرته اقتضت

هذا.

ونلاحظ أن تكرير كلمة (( ربكم ) )مرة أخرى ليلفتهم في كل مرة إلى نعم ر. م

عليهم، والكلمة مسجوعة مع كلمة (( منكم ) )ومع كلمة (( لينذركم ) )الآتية لزيادة

لفت أسماعهم وعقولهم.

ثم استأنف علة إرساله ليزيل تعجبهم وإنكارهم فقال: (( لينذركم ) )ثم ((

ولتتقوا )) وهي مترتبة على العلة الأولى، وقوله: (( ولعلكم ترحمون ) )علة ثالثة مترتبة

.(على الثانية (2

وكل علة جاءت غاية ومقصودًا للتي قبلها، يقول الألوسي: (وهذا الترتيب

في غاية الحسن، فإن المقصود من البعثة الإنذار، والمقصود من الإنذار التقوى عن كل ما

. (ينبغي، والمقصود من التقوى الفوز بالرحمة في الدار الآخرة) (2

.(وعبر بحرف الترجي لأنه مطلب عزيز، وأمره بيد الله الرحيم (3

ورده على ا. امهم له بالضلال، وصبره. وتم معنى الآية؛ وهو محاورة نوح

على إقناعهم والتوضيح لهم، وانتقلت الآيات إلى معنى جديد مترتب على الأول، وهو

موقف قومه وعاقبتهم، وهو قوله تعالى: (( فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك

وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إ. م كانوا قومًا عمين )) .

1)التفسير الكبير ج 14 ص 152

2)ينظر أبي السعود ج 2 ص 503

3)ينظر روح المعاني ج 8 ص 152

وهنا نلاحظ أ. م كذبوه مباشرة عقب محاورته وتوضيحه لهم بلا مهلة تفكير أو

مراجعة بدلالة الفاء في (( فكذبوه ) )وبناء على هذا التكذيب، نلاحظ أن النصر الإلهي

جاء مباشرة عقب تكذيبهم كذلك بدلالة الفاء، ودلالة التقديم للإنجاء قبل الإغراق في

قوله: (( فأنجيناه ) ). وفي تقديم الإنجاء تعجيل بالمسرة للمؤمنين.

بالإيمان و الاتباع. وفي لفظ: (( معه ) )لطيفة؛ وهي أن معيتهم لنبيهم

اقتضت معيتهم له في الإنجاء والحكاية عنه بالنصر والظفر.

والإتيان بالموصول في قوله تعالى: (( وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا ) )لما تؤذن به

. (الصله من وجه تعليل الخبر(( وأغرقنا ) )أي: أغرقناهم لأجل تكذيبهم (1

ثم استأنفت الآية: (( إ. م كانوا قومًا عمين ) )وهذه علة (2) إغراقهم، (قال ابن

(عميت قلو. م عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد.) (2:. عباس

وأكدت الجملة بعدد من المؤكدات وهي: إن و اسمية الجملة والتقييد بالصفة

، (المشبهة الدالة على ثبوت الصفة(3) ؛ (( عمين ) ) (وهي مجاز عن فقدان الرأي النافع.) (4

إذ أطلق العمى وأراد فقدان الرأي النافع.

وهذه الآية تشير مرة أخرى إلى قوله تعالى في خاتمة القسم الأخير من الفصل

الأول: (( والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا ) ).

بالإغراق، ونجاته هو و الذين. وانتهى هذا الجزء من المعنى بعذاب قوم نوح

آمنوا معه.

بدعو. م (( . ورجعت آيات القسم على فاتحته، وهي الحديث عن قوم نوح

لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه ... )) .

وختمت بالحديث عنهم بذمهم والتشنيع عليهم في قوله: (( إ. م كانوا قومًا عمين ) ).

1)ينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 197

2)البحر المحيط ج 4 ص 323

3)ينظر روح المعاني ج 8 ص 154

4)التحرير والتنوير ج 9 ص 198

(المبحث الثاني)

مع قومه. . قصة هود

مع قومه عاد، وهي حلقة جديدة ملتحمة. ثم انتقلت الآيات إلى قصة هود

في سلسلة القصص المضروبة لمثل (( والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا ) ).

مع قومه. وتسلسل المعنى في هذا القسم مشابه للقسم الأول في قصة نوح

قومه إلى عبادة الله وحده، وتذكيرهم بتقواه، (( وإلى عاد أخاهم. وهي دعوة هود

هودا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون )) ، ثم ترتب على كلامه

جواب قومه الكافرين با. امهم له بالسفه والكذب (( قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا

لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين )) ، ثم ترتب عليه رده عليهم بنفي السفاهة عن

نفسه وإثبات رسالته ونصحه و أمانته (( قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من

رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين )) ، وتحذيره لهم من عاقبة قوم

نوح وتذكيره إياهم بنعم الله عليهم (( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح

... )) ثم ترتب على نصحه وتذكيره لهم، تحديهم واستعجالهم العذاب (( فأتنا بما تعدنا

إن كنت من الصادقين )) ، وبني على ذلك التحدي نزول العذاب. م، وقطع دابرهم

بالاستئصال (( قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب ... ) ).

وبعد متابعة تسلسل المعاني في هذا القسم نرجع إلى تبين جوانب من بنائه البلاغي

المعنى الأول قوله تعالى: (( وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من

إله غيره أفلا تتقون )) .

وعاد هم (قوم كانوا باليمن بالأحقاف، والأحقاف: الرمل الذي بين عمان إلى

. (حضرموت) (1

ومن مطلع الآية نلاحظ ما في التقديم (( وإلى عاد ) )من تخصيص رسالة هود

في بعثه إلى جميع أهل الأرض (1) وهو أمر اتفاقي. بقومه عاد، وأما نبي الله نوح.

، ولذا قال عنه: (( لقد أرسلنا ) ).

1)التفسير الكبير ج 14 ص 155

على رسالته، وقال لقومه مثل مقولته: (( اعبدوا الله. وعطفت رسالة هود

مالكم من إله غيره أفلا تتقون )) ، وفي وحدة الألفاظ وحدة الرسالة بالوحدانية، لكن

بدو. ا. فقال يا قوم )) ، في حين جاء قول هود )):. زيدت الفاء في قول نوح

كان لا يتأخر عن الإجابة على مقالا. م وشبها. م، ويرد عليها.؛ لأن نوحًا

.(مباشرة(2

)) . وكذلك اختلفت صورة الإنذار عند النبيين عليهما السلام؛ فعند هود

إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم )) ، والفرق بين )) . أفلا تتقون )) ، وعند نوح

بالإغراق بالطوفان لم يحدث مثله في العالم قبل،. الصورتين؛ أن عذاب قوم نوح

يحذر من ذلك العذاب قومه: (( أفلا تتقون ) ) (2) ،ولذا جاء في. وجاء قول هود

صورة استفهام إنكاري لعدم اعتبارهم واتعاظهم.

لقومه، ثم. وتمت هذه الجزئية من المعنى. ذا العرض الموجز لدعوة هود

بعد سؤال: فماذا كان جواب. نتجت عنها جزئية أخرى مرتبة عليها وهي رد قومه

قومه له؟ فجاء الجواب: (( قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا

. (لنظنك من الكاذبين ) ) (1

وهنا قيد الملأ ب (( الذين كفروا ) )حتى لا يعم الوصف الأشراف ممن آمن لهود

إنا لنراك في )) . 2)، ثم نلاحظ اختلاف التهمة التي وجهت لنبي الله هود).

إنا لنراك في ضلال )):. سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين )) ، في حين قيل لنوح

كان مشتغ ً لا بصنع السفينة إذ لم يكن بحر ولا ماء، فكان. مبين )) ؛ لأن نوحا

ز. يف عبادة الأوثان ونسب من. صنعه لها عندهم ضلال مبين، في حين أن هود

.(اشتغل بعباد. ا إلى السفاهة وقلة العقل فقابلوه بمثله ونسبوه إلى السفاهة(3

إن و؛. وتزاحمت أدوات التوكيد هنا كما تزاحمت في مقولة قوم نوح له

اللام و اسمية الجملة، وجعلوه مظروفًا للسفاهة و خفة العقل، وهذا من شناعة تكذيبهم

فإنه رغم أنه أخوهم وصاحبهم ومن قومهم إلا أ. م رموه. ذه التهمة بكل هذه المؤكدات

52_ 1)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 51

156_ 2) ينظر التفسير الكبير ج 14 ص 155

156 -3) ينظر التفسير الكبير ج 4 ص 155

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت