فهرس الكتاب
، بل استأنفوا. مة أشد من الأولى وهي الكذب (( وإنا لنظنك من الكاذبين ) )، أي:
المتعمدين للكذب، وذلك لأنه كان عندهم علم من الرسل، وما يأتي مخالفهم من
. (1) . العذاب من قصة نوح
تولد معنى آخر؛ وهو رده المؤدب،. وعن معنى هذا الا. ام المتطاول على هود
على تلك الفرية المركبة حيث قال: (( قال يا قوم ليس بي سفاهة ) ). النزيه
ليس بي ضلالة )) إذ نفى أن يكون به شيء من خفة )) . وهذا على مثل رد نوح
حلم فانتفى أن يكون كاذبًا؛ لأن الداعي إلى الكذب الخفة و ا لطيش، فلم يحتج
(إلى تخصيصة بنفي.) (2
(ولما نفى السفاهة، أثبت ما يلزم ضدها) (3) ،فأضاف لنفسه غاية الشرف
والأدب بإثبات الرسالة فض ً لا عن أقل نقائص الكذب و السفاهة (( ولكني رسول من
وتعود إلى قوله تعالى: (( إما،. رب العالمين ) )، وهو نفس الصوت الذي ردده نوح
يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي )) .
كذلك (( أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم. صدى كلام نوح. ثم ردد
ناصح أمين )) .
في صياغة كلامه في. لكن يلاحظ أن كلام الله عزوجل على لسان نبيه
عن نفسه، وقد. وصفه نفسه بالنصح والأمانة يختلف عن الصياغة التي ساقها نوح
وصف نفسه بالجملة الاسمية (( وأنا لكم ناصح أمين ) )وفيها معنى الثبات والتصميم
فقد جاء بالجملة الفعلية. الذي لا يتزعزع عن التبليغ والدعوة، وأما في وصف نوح
(( وأنصح لكم ) )وهنا تظهر روح المصابرة والمكابدة عند أولي العزم من الرسل عليهم
السلام، (( لي ً لا و. ارًا ) )، (( ثم إني دعو. م جهارًا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم
إسرارًا )) ، إذ التكرار المرة بعد المرة والكرة بعد الكرة، مع الجهد والمكابدة، دون ملل
.(أو كلال(3
1)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 52
2)نظم الدرر ج 3 ص 52
157_ 3) ينظر التفسير الكبير ج 14 ص 156
صفة الأمانة (( ناصح أمين ) )، (وقد قيل في ذلك: ليرد عليهم. وزاد هود
وإنما جاء قوله: (( وأعلم من الله. مقولتهم فيه بالكذب، وهي زائدة على. مة نوح
وعلو رتبته في النبوة عن هود عليهما،. مالا تعلمون )) وفي هذا علو شأن نوح
.(السلام (1
ثم جرى في كلامه لهم من كلام نوح عليهما السلام (( أوعجبتم أن جاءكم ذكر
من ربكم على رجل منكم لينذركم )) إلا أنه حذف منه: (( ولتتقوا ولعلكم ترحمون
. ( ) ) ؛ لأنه. عرف في القصة الأولى ولا حاجة لإعادة ذكره (1
(ولما كان التقدير: فاحذروا، عطف عليه تذكيرهم بالنعمة.) (1) في: ((
واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله
لعلكم تفلحون )) .
نحا منحى الترغيب والتعطف على قومه، وذكرهم. وهنا نلاحظ أن هودًا
بنعم الله عليهم (( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ) )ذكرهم
العام (( واذكروا ) )، وفي هذا التذكير. الاستخلاف، أي: الإيجاد خلفًا لقوم نوح
وتعذيبهم بالغرق. . تعريض لهم بعاقبة قوم نوح
ثم اتبعه التذكير بالزيادة فقال: (( وزادكم في الخلق بسطة ) )(أي: في الحس
بطول الأبدان، و المعنى بقوة الأركان، قيل: كان طول كل واحد منهم اثني عشر
. (ذراعًا.) (2
ولما تكاثرت نعمهم وفضلوا. ا على غيرهم ذكرهم مرة أخرى بسبب تلك
الزيادات فقال: (( فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون ) ).
فكان التذكير الثاني (متسببًا) (1) عن التذكير الأول، ليؤكده لهم به ويلفتهم إليه
بنفس اللفظ (( اذكروا ) ).
ثم ختم برجوى الفلاح (( لعلكم تفلحون ) )، ولعلها تكون في مقابلة زيادة كلام
ولتتقوا ولعلكم ترحمون )) ، فإن معنى الفلاح تقوى الدنيا ورحمة الآخرة. )) . نوح
54_ 1) نظم الدرر ج 3 ص 53
لقومه ودفاعه عن نفسه، وتوضيحه أمر الرسالة مرهبًا. وبانتهاءكلام هود
ومرغبًا، تشوفت النفوس إلى جواب الكافرين (1) ، وردهم على كلام نبيهم الحق
المبين وهو قوله: (( قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا
إن كنت من الصادقين )) .
وفي جوا. م مقارعة الحق بالباطل بالاستفهام الإنكاري (( أجئتنا لنعبد الله وحده
. ( ) ) ونتنصل عن البرهان الساطع إلى ا. ادلة بالدعاوى الكاذبة، لمحض التقليد (2
(( ونذر ما كان يعبد آباؤنا ) )ثم صياغتهم كل هذا في صورة الإنكار والتوبيخ
زيادة في العنت والخصومة بالباطل، وقولهم: (( ماكان يعبد أباؤنا ) )صاغوه ب ((
كان )) والفعل المضارع (( يعبد ) )ليفيدوا مواظبتهم على عباد. ا من قديم، ولتكون
حجتهم في تسويقهم لأنفسهم عباد. ا (1) . ثم ساقهم توبيخه لهم ليتذكروا ويذعنوا بقوله
ساقهم إلى كبر وعناد وخيم إذ.: (( أفلا تتقون ) )إلى توبيخ لجوج لمقامه الأمين
قالوا: (( فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ) ).
وهنا إصرار منهم على ا. امه بالكذب الأول: (( وإنا لنظنك من الكاذبين ) )إذ
لم. يج. د دفاعه ورده الواضح المبين عن نفسه معهم.
ثم من خصومة الكافرين لنبيهم ومكابر. م عن الإذعان والإيمان، تفرعت الآيات
من استكبارهم وطلبهم نزول العذاب، وقد تشوفت (1) تتساءل. إلى موقف نبيهم
عنه، فجاء الجواب: (( قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء
سميتموها أنتم وأباؤكم ما نزل الله. ا من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين )) .
ويلاحظ هنا أن هذه الآية من أصل قوله تعالى في مقدمة السورة: (( وكم من
قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتًا أو هم قائلون ))
إذ معنى قوله: (( أهلكناها ) ): أردنا إهلاكها، وهنا كذلك قوله: (( قد وقع
عليكم من ربكم رجس وغضب ))(الذي أخبر الله عنه بأنه وقع لا يجوز أن يكون هو
في ذلك. العذاب، لأن العذاب ما كان حاص ً لا في ذلك الوقت ... فإنه تعالى أخبره
.الوقت بترول العذاب عليهم فلما حدث الإعلام في ذلك الوقت لاجرم قال هود
1)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 54
2)ينظر البحر المحيط ج 4 ص 325
في ذلك الوقت (( قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب ) )) (1) أي: (حق ووجب
. (وقرب أن يقع) (2
وعبر بالماضي ليدل على تحقق وقوعه، وأكده بحرف الاستعلاء (( عليكم ) )وفي
. (تقدم الظرف(( عليكم ) )لتعجيل الغضب والعذاب. م (3
ثم قدم قوله: (( من ربكم ) )و أخر عنه (( رجس وغضب ) )ليذكرهم أ. م
قابلوا نعم ر. م المحسن إليهم بالكفر والنكران، وللتخويف من المؤخر (( رجس وغضب
. ( ) ) ، (وفسر ابن عباس الرجس باللعنة، والغضب بالعذاب.) (4
وفي تنكير (( رجس ) )و (( غضب ) ).ويل و ترويع وتخويف، ثم بين لهم السبب في
صورة الإنكار ليقيم الحجة عليهم (5) مرة أخرى فقال: (( أتجادلونني في أسماء سميتموها
أنتم و آباؤكم ما نزل الله. ا من سلطان )) .
وقد وبخهم منكرًا عليهم مجادلتهم إياه بالباطل حين قالوا بعدما ذكرهم بنعم الله
عليهم (( ونذر ما كان يعبد آباؤنا ) )فذكر مما كان يعبد آباؤهم الأسماء فقط لأ. ا خالية
من معنى الإلهية التي نسبوها إليها بل هي في معاني النقص من كل جهة.
ثم لكي يرد الأمر لله الإله الحق رغمًا عنهم نفى عنه سبحانه الأمر بعباد. ا فقال:
(( مانزل الله. ا من سلطان ) )، وأفادت (من) الاستغراق في النفي، (والفاء للترتيب
. (على ما تقدم.) (1
قومه وملامته لهم بعد تحقق العذاب لهم، جاء. ولما فرغت الآيات من تعنيفه
معنى آخر منتظر مترقب مهد له قوله: (( فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) )وهو قوله
: (( فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين ) ).
1)التفسير الكبير ج 14 ص 159
2)نظم الدرر ج 3 ص 55
3)ينظر روح المعاني ج 8 ص 158
4)روح المعاني ج 8 ص 159
5)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 55
وفي انتظاره معهم ثم رؤيتهم نجاته والمؤمنين معه زيادة تحسير وتحزين لهم، لذا ُقدم
الخبر عنه وعن من معه من المؤمنين في الاتباع والنجاة، (( فأنجيناه و الذين معه برحمة
. (منا ) ) ، (والفاء في(( فأنجيناه ) )فصيحة، أي: فوقع ما وقع فأنجيناه.) (1
ثم فخمت نجا. م برحمة لدنيه، وفخمت مرة أخرى وجللت بقوله: (( منا ) )، ثم
جاء خبر المكذبين (( وقطعنا دابر الذين كفروا بآياتنا ) )وهو كناية عن الاستئصال، وهو
. (كما في الآية الأخرى(( فهل ترى لهم من باقية ) )(الحاقة 8
ثم في تأكيد تكذيبهم بقوله: (( وما كانوا مؤمنين ) )أ. م لن يؤمنوا حتى لو لم
.(يهلكوا (2
وانتهى هذا القسم من السورة. لاك قوم عاد و. اية قصتهم و عبر. م التي هي من
أمثلة (( والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا ) )، ومن أمثلة (( ولا تجد أكثرهم شاكرين ) )
ومن أمثلة (( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا ) ).
وهونفس الحديث عن قوم عاد بالإرسال إليهم أو ً لا (( وإلى عاد أخاهم هودا ) )،
وبنفي الإيمان عنهم آخرًا (( وما كانوا مؤمنين ) )، وظهر التفاف الخاتمة على المطلع
واعتلاقهما.
1)روح المعاني ج 8 ص 159
2)ينظر روح المعاني ج 8 ص 160