الصفحة 106 من 129

(المبحث الثالث)

مع قومه. . قصة صالح

إلى قومه ثمود ودعوته إياهم إلى عبادة. ويبدأ هذا القسم برسالة نبي الله صالح

الله وحده وهو قوله: (( وإلى ثمود أخاهم صالح قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره

و علل أمره لهم بالعبادة مجيئه بالآية البينة وهي الناقة العظيمة وتحذيره إياهم من

إيذائها (( قد جاءتكم بينه من ربكم هذه ناقة الله لكم آية ) )ورتب على كو. ا من عند

الله عدم إيذائها والتعرض لها بسوء حتى لا يأتيهم العذاب (( فذروها تأكل في أرض الله

ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم )) .

ثم استأنف تذكيرهم بنعم الله عليهم، وعددها لهم ليكون هذا أدعى لخضوعهم

واستجابتهم لر. م ولرسوله (( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض

تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتًا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض

مفسدين )) .

ثم ترتب على هذا التذكير بالترهيب والترغيب التفات إلى جواب قومه وقد جاء

في محاور. م لأ تباعه المؤمنين ليشككوهم في دينهم (( قال الملأ الذين استكبروا من قومه

للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحًا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به

مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون )) .

ثم أعقبوا كفرهم بما آمن به المؤمنون عقر الناقة وطلبهم نزول العذاب (( فعقروا

الناقة وعتوا عن أمر ر. م وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين )) .

ثم تسبب عن عتوهم وطلبهم العذاب نزوله ووقوعه. م (( فأخذ. م الرجفة

فأصبحوا في دارهم جاثمين )) .

لترول العذاب. م (( فتولى. ثم انتقلت الآيات إلى تبيين حال نبي الله صالح

عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين )) .

هذا بناء المعاني في هذا القسم ونتبعه الآن بشيء من بنائه البلاغي.

قوله تعالى: (( وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره

قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها

بسوء فيأخذكم عذاب أليم )) وفي هذه الجزئية تتكرر بعض العبارات وهي: (( وإلى

ثمود أخاهم صالحًا )) من مثل قوله: (( وإلى عاد أخاهم هودا ) )وهي معطوفة على قوله

: (( لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه ) )وسميت (ثمود لقلة مائها، من الثمد وهو الماء القليل،

. (وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام) (1

وقوله: (( اعبدوا الله مالكم من إله غيره ) )هو كذلك من نفس كلمات نوح

وهود عليهما السلام، ودعوته كدعو. ما عبادة الله وحده (( اعبدوا الله ) )ثم أكدها

بقوله: (( مالكم من إله غيره ) )ثم قال: (( قد جاءتكم بينة من ربكم ) )وهي

تعليل لجملة (( اعبدوا الله ) ) (2) وهي علامة صدقه، وعلقها بقوله: (( من ربكم ) )

المحسن إليكم بالنعم، فهو أهل للعبادة، وهي من قوله تعالى: (( اتبعوا ما أنزل إليكم من

ربكم )) ثم بينها وفسرها بقوله: (( هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا

تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم )) ، ولهذا فصلت ولم تعطف.

وبدأ تعريفه البينة باسم الإشارة هذه تعظيمًا لها، وعظمها كذلك بإضافتها إلى

خالقها ومكو. ا (ناقة الله) ، (و دلَّ على تخصيصها لهم بقوله:(لكم ) ) (3) ،وبتقديمه

(لكم) على قوله (آية) ، أي: لكم خصوصًا.

ثم قال: (( فذروها تأكل في أرض الله ) )(( وهذه الجملة تفريع على كو. ا آية

من آيات الله، وقيل: على كو. ا ناقة له سبحانه، فإن ذلك يوجب عدم التعرض لها

(فاتركوها. ) ) (4

وقوله: (في أرض الله) أرجع ملكية الأرض مرة أخرى لله كما قال عن الناقة،

حتى يقيم الحجة عليهم كاملة بتذكيرهم في عدم التعرض لها.

1)التفسير الكبير ج 14 ص 161

2)التحرير والتنوير ج 9 ص 217

3)نظم الدرر ج 3 ص 57

4)روح المعاني ج 8 ص 163

ثم أكد قوله: (( فذروها ) )بعطف قوله (( ولا تمسوها بسوء ) )، وعبر بالمس عن

. (( الأذى) ليزيد في تذكيرهم بالنهي عن أذاها ولو بالمس (1

ثم ترتب على عدم انتهائهم عن أذاها نزول العذاب. م فقال: (( فيأخذكم

عذاب أليم )) ، ونلاحظ أن نزول العذاب هنا عبر عنه بالأخذ(وهو استعارة، وقد

.اهم عن مسها بشيء من الأذى، وهذا تنبيه بالأدنى على الأعلى) (2) .وقد دلت

الاستعارة على الإهلاك الكامل.

ثم لكي يزيدهم حذرًا و. يًا ذكرهم مرغبا إياهم بنعم الله عليهم فقال مستأنفًا

كلامه: (( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من

سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتًا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين )) .

قوله: (( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ) )(أي: تخلفون عادا في الأرض

بعد هلاكها) (3) ، وقوله: (( خلفاء من بعد عاد ) )ولم يقل خلفاء عاد مع أنه أ. حصر

. (إشارة لأن بينهما زمنًا طوي ً لا) (4

وهي نعمة أراد. ا تخويفهم. ا تعريفًا بعاقبة عاد لما كذبت و أعرضت، ألا

يعرضوا إعراضها.

ثم عطف قوله: (( وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورًا وتنحتون

الجبال بيوتًا )) .

وهي من النعم التي خصوا. ا ورزقهم. ا قوة وتمكنًا، فقوله (( وبوأكم في الأرض

)) (أن أنزلكم في الأرض و جعل لكم فيها مساكن وأزواجًا) (3) ، وهي ترجع إلى قوله

تعالى: (( ولقد مكناكم في الأرض ) ).

وقوله: (( تتخذون من سهولها قصورًا ) )جملة حالية، عطف عليها (( وتنحتون

أ. م اتخذوا القصور في السهول ليصيفوا فيها:. الجبال بيوتًا )) روي عن ابن عباس

1)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 57

2)البحر المحيط ج 4 ص 328

3)جامع البيان ج 8 ص 231

4)حاشية الشهاب ص 310

ونحتوا من الجبال بيوتًا ليشتوا فيها، وقيل أ. م نحتوا الجبال بيوتًا لطول أعمارهم، وكانت

(الأبنية تبلى قبل أن تبلى أعمارهم. ) ) (1

ثم قال: (( فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) )وهنا ترتب على

تلك النعم المتقدمة التي اختصوا. ا من غيرهم تأكيد الأمر بذكرها، وحمد الله عليها وعلى

غيرها من نعمه العظيمة، وقد أعاده بلفظ الفعل نفسه (اذكروا) لزيادة لفت عقولهم

. (إليها،(وهو من باب عطف العام على الخاص.) (2

قومه بقوله: (( واذكروا إذ. وهذا الأسلوب هو الذي ذكَّر به نبي الله هود

جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح )) وقد يفهم من هذا أن عادا جيل من أجيال قوم نوح،

بعث في الأرض التي. بعث. كما أن ثمود جيل من أجيال عاد، وهذا يعني أن نوحًا

فيها هود وصالح، وأن الجزيرة هي المهد الأول والوطن الأول لبني آدم (3) . وقوله: ((

فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون )) وآلاء الله هنا تقابلها قوله: (( وبوأكم في الأرض ) ).

ثم عطف عليه مؤكدًا (4) الأمر مرة أخرى. يًا عن ضده وهو نسيان النعم ومقابلتها

بالإفساد في الأرض فقال: (( ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) )وهذه الآية راجعة إلى قوله

في القسم الأخير من الفصل السابق: (( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) ).

بدعوته قومه إلى الله وإتيانه بالبينة المعجزة،. وبانتهاء كلام نبي الله صالح

منه ومن. وتذكيره لهم بنعم الله عليهم، فرعت الآيات معنى جديدًا وهو موقف قومه

دعوته، قال تعالى: (( قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم

أتعلمون أن صالحًا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا

بالذي آمنتم به كافرون )) .

وهناحصل الالتفات إلى جوا. م (5) ، وإن كان فيه مفاجأة الحوار مع أتباع صالح

لا معه هو بنفسه، وكأنه أغنى عن الجواب له مع زيادة الاطلاع على تجبرهم و.

1)روح المعاني ج 8 ص 164

2)التحرير والتنوير ج 9 ص 221

3)من إضافة الأستاذ المشرف / د. محمد أبو موسى

4)روح المعاني ج 8 ص 164

5)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 58

تعنتهم مع أتباعه، ولمحاولتهم (اختبار تصلب الذين آمنوا به في إيما. م ومحاولة إلقاء

. (الشك في نفوسهم) (1

وقوله: (( لمن آمن منهم ) )بدل من قوله: (( للذين استضعفوا ) )(لأ. م

المؤمنون ... وكون المؤمنين مستضعفين معناه: أن غيرهم يستضعفهم ويستحقرهم فهو لا

(يكون صفة ذم في حقهم، بل ذم عائد إلى الذين يستحقرو. م ويستضعفو. م) (2

ونلاحظ أن التعبير بالموصول (الذين استكبروا) سوغ وصفهم بالاستكبار

والكفر، واستضعاف المؤمنين، وجاء بصيغة الجملة الاسمية (( الذين استضعفوا ) )للدلالة

على أن الإيمان متمكن منهم بمزيد الثبات فلم يتركوا للذين استكبروا مطمعًا في تشكيكهم

1)،ثم نلاحظ كذلك أن جواب المؤمنين على استفهام المستكبرين الساخر (( أتعلمون أن) (

. (صالحًا مرسل من ربه ) ) أرادوا به التشكيك والإنكار (1

ونلاحظ كذلك أن جواب المؤمنين (خرج إلى الأسلوب الحكيم في قولهم: ((

قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون )) فكأ. م قالوا: العلم بإرساله وبما أرسل به، مالا كلام فيه

ولا شبهه تدخله، لوضوحه وإنارته، وإنما الكلام في وجوب الإيمان به، فنخبركم أنابه

مؤمنون، ولذلك كان جواب الكفرة (( إنا بالذي آمنتم به كافرون ) )فوضعوا (آمنتم

. (به) موضع (أرسل به) ، ردًا لما جعله المؤمنون معلومًا وأخذه مسلمًا) (3

وبني الفعل للمفعول (( بما أرسل به ) )(للإشارة إلى تعميم التصديق، وإلى أن

كونه من عند الله أمر مقطوع به لا يحتاج إلى تعيين) (4) . وكذلك أفاد هذا التعميم التعبير

.(بالموصول (5

وفي تأكيد كلامهم ب (إنا والجملة الاسمية) دلالة على زيادة رسوخهم وثبا. م

على إيما. م. وكذلك في ورود هذه المؤكدات في جواب الكافرين عليهم (( إنا بالذي

آمنتم به كافرون )) نفس الدلالة في رسوخ هؤلاء في الكفر والإصرار عليه، وفي توحد

الألفاظ وتقابلها بين كلام الفريقين تقابل في المعنى وتباعد في المقامين.

1)التحرير والتنوير ج 9 ص 222

2)التفسير الكبير ج 14 ص 165

3)روح المعاني ج 8 ص 164

4)نظم الدرر ج 3 ص 58

5)التحرير والتنوير ج 9 ص 223

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت