الصفحة 107 من 129

وانتهى هذا الجزء من المعنى بموقف الفريقين من الرسوخ والثبات على من آمن به

وكفر، ثم تحولت الآيات إلى معنى جديد، وموقف جديد للكافرين وهو قوله تعالى:

(( فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ر. م وقالوا ياصالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ) ).

قوله: (( فعقروا الناقة ) )(الفاء للتعقيب لحكاية قول الذين استكبروا (( إنا

ومن. بالذي آمنتم به كافرون )) ... فعزموا على المصير إلى النكاية والإغاظة لصالح

آمن به ورسموا لابتداء عملهم أن يعتدوا على الناقة) (1) ، (والعقر عند العرب كشف

عرقوب البعير، ولما كان العقر سببًا للنحر أطلق العقر على النحر إطلاقًا لاسم السبب

.(على المسبب (2

وإسناده إلى الكل مع أن المباشر البعض مجاز لملابسة الكل لذلك الفعل لكونه بين

.(أظهرهم ورضاهم به (3

لهم: (( فذروها تأكل في. ثم قال: (( وعتوا عن أمر ر. م ) )وهو قول صالح

. (أرض الله ) ) (وكأن أمر ر. م بتركها كان هو السبب في عتوهم) (4

ثم (( قالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ) )وهذا قولهم في غاية

التحدي والاجتراء بالتهكم على الله ورسوله وخصوصًا قولهم: (( إن كنت من المرسلين

)) فإنه سخرية بالرسول، والإشارة إلى عدم قدرته؛ وأكدوا ذلك بأداة الشك (إن ) )

. (وبتسميتهم له وعدا(بما تعدنا) (5

وبعد عتو قوم ثمود واعتدائهم على الناقة بعقرها، وطلبهم نزول العذاب، جاءت

الآيات إلى معنى متسبب عن عتوهم (5) وهو قوله تعالى: (( فأخذ. م الرجفة فاصبحوا في

دارهم جاثمين )) .

(ولعل توحيد الدار هنا مع الرجفة في قصة صالح وشعيب عليهما السلام في قوله:

(( فاصبحوا في دارهم ) )أي: مساكنهم، وجمعها في القصتين مع الصيحة في سورة هود

1)التحرير والتنوير ج 9 ص 224

2)ينظر التفسير الكبير ج 4 ص 165

3)روح المعاني ج 8 ص 165

4)الكشاف ج 8 ص 123

5)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 60

للإشارة إلى عظم الزلزلة والصيحة في الموضعين) (1) ،و معنى قوله (( جاثمين ) )أي:.

. (( باركين على ركبهم لازمين أماكنهم لا حراك بأحد منهم) (1

وانتهى هذا الجزء من المعنى بترول العذاب بقوم صالح المستكبرين ثم انتقلت الآيات

وموقفه لما أصاب قومه العذاب يقول تعالى:،. إلى جزئية جديدة وهي حال صالح

(( فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون

الناصحين )) .

، (فترول العذاب(سبب لهم الهجرة عن ديارهم ديار السوء والغضب و اللعنة) (1

وقد تركهم محزونًا متحسرًا عليهم، وقوله: (( ونصحت لكم ) )قصر فيه الفعل وعداه

. (باللام، وفيه(دلالة على انه خاص. م) (1

وصيغة الفعل المضارع في قوله: (( ولكن لا تحبون الناصحين ) )حكاية حال

بعد. ماضية، أي: شأنكم الاستمرار على بغض الناصحين وعداو. م (2) ،وخطابه لهم

قتلى بدر أصحاب القليب؛ هل وجدتم ما. ما أصبحوا جاثمين مثل خطاب نبينا محمد

كيف تتكلم مع هؤلاء الجيف؟ فقال: (ما أنتم بأسمع:. وعد ربكم حقا؟ فقيل له

مع قومه (( . منهم، لكنهم لا يقدرون على الجواب) (3) ، وبنهايةكلام صالح

ولكن لا تحبون الناصحين )) ينتهي القسم وقد رجع إلى معناه الأول وهو إرسال نبي

إلى قومه ثمود، ودعوته إياهم إلى عبادة الله وحده (( وإلى ثمود أخاهم. الله صالح

صالحا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره )) ، وانتهى بحديثه عنهم آسفًا عليهم: ((

فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين

1)نظم الدرر ج 3 ص 61

2)ينظر روح المعاني ج 8 ص 166

3)ينظر التفسير الكبير ج 14 ص 167

(المبحث الرابع)

مع قومه. . قصة لوط

وهذا القسم أصغر أقسام السورة، فآياته خمس، اختلف نمط عرضها ومعانيها عن

و إرساله، ولا عن دعوته إلى. أخوا. ا في السورة، فهي لم تتحدث عن رسالة لوط

توحيد عبادة الله ونبذ الشرك، كما في دعوة الأنبياء عليهم السلام في القصص السابقة

واللاحقة في السورة، إنما انفردت بتعنيفه المباشر لهم على رذائلهم الشنيعة في ارتكا. م

الفواحش المنكرة التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين، ولعل تفردهم بالسوء والمنكر

سبب في تفرد قصتهم في العرض و السياق.

المباشر لهم بالإنكار والتوبيخ لإتيا. م الفاحشة. فقد بدأت بقول لوط

المنكرة؛ (( ولوطًا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ... ) )، ثم ترتب على هذا الإنكار

والتعنيف جواب قومه بالتطاول عليه بإخراجه وقومه، والسخرية. م، لطهار. م وتقواهم

(( وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إ. م أناس يتطهرون ) ).

ثم ترتب على تلك السخرية والاعتداء على نبي الله والمؤمنين إنجاؤهم، وتعذيب

ا. رمين بإرسال حجارة من السماء عليهم أهلكتهم عن آخرهم (( فأنجيناه وأهله إلا امرأته

كانت من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرًا فانظر كيف كان عاقبة ا. رمين )) .

وبعد تتابع تشعبات المعنى في هذا القسم، يتبع بإضاءات في بنائه البلاغي.

الجزء الأول من المعنى قوله تعالى: (( ولوطًا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما

سبقكم. ا من أحد من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم

مسرفون )) .

وقد اختلف أسلوب العرض لهذه القصة كما أسلفنا عن باقي قصص السورة؛

بدأت بقوله تعالى: (( لقد أرسلنا نوحًا ... ) )، وعطفت القصص. فقصة نوح

فقد اختلف. بعدها عليها بقوله: (( وإلى ... ) )و (( وإلى ... ) )، أما قصة لوط

مطلعها عن باقي أخوا. ا بقوله: (( ولوطًا إذ قال ... ) )، وفي اختلاف المطلع دلالة على

اختلاف المقصد، فإن لأهل هذه القصة خصوصية شذوا. ا عن غيرهم لفتت الآيات

إليها باختلاف مطلعها (( ما سبقكم. ا من أحد من العالمين ) )، حتى أنه لم يذكر

لهم اسما وتعريفا كما لغيرهم من الأقوام، وذكر الإمام البقاعي أن هذا صيانة للآيات عن

.(ذكر اسمهم (1

ودعت خصوصيتهم الشاذة إلى خلف المطلع ليلفت إلى الطبيعة التي شذوا. ا عن

غيرهم زيادة على كفرهم وشركهم بالله يقول البقاعي: (وقصص من عدا قوم لوط

مشا. ة لقصة قريش في الشرك بالله، و الأذى لعباده المؤمنين، وأما قصة لوط فزائدة. وي ً لا

(للأمر وتبشيعًا له.) (2

وقدر المفسرون - رحمهم الله - محذوفًا في الآية هو: (اذكر) أو (أرسلنا) ،

أما هو فيرجح عليه رحمة الله أن يكون الفعل (اذكر) لا (أرسلنا) ؛ لتكون أليق بمقصد

1)، وقد قال له تعالى: (( فلا يكن في صدرك حرج منه) . التسلية لسيد الصابرين محمد

)) فتكون الآية: (( ولوطًا إذ قال ... ) ) (من عطف القصة على القصة.) (2) ، وقد

إلى أهل سدوم (1) بأرض الشام، والاستفهام في قوله تعالى: (( . روي أنه أرسل

بقوله: (( ما. أتأتون الفاحشة ) )إنكاري توبيخي، وقد استأنف توبيخه

سبقكم. ا من أحد من العالمين )) ، (و(من) الأولى هنا زائدة لتوكيد النفي وإفادة

معنى الإستغراق، والثانية للتبعيض.) (3) ،وأل للعهد أي: المعروفة فحشها في الطبائع

والعقول، أو للجنس، كأ. ا جعلت جميع الفواحش (4) ، وهذا بخلاف الزنى فقد قال فيه

1). والفاحشة: هي الفعل الدنيء) (( (: (( ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة (الإسراء 32

والذميم (5) ، ووجه تسمية هذه الرذيلة فاحشة وإسرافا؛ لأ. ا خروج عن الفطرة وعن

النوع بالطريق المشروع، وعمل قوم لوط خروج عن المشروع بقضاء الشهوة بطريق غير

.(ما خلق له لقضاء الشهوة يقطع به التناسل الذي يكون بين الذكر والأنثى (5

وتفسيرات القرآن للفاحشة كتفسيرها بالخبائث في سورة الأنبياء: (( ونجيناه من

(القرية التي كانت تعمل الخبائث ) ) (5

.(( الأنبياء 74

1)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 62

317/ 2) حاشية الشهاب ج 4 ص 314

3)الكشاف ج 2 ص 125

4)ينظر البحر المحيط ج 4 ص 333

232/ 5) ينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 230

5)من إضافة الأستاذ المشرف / د. محمد أبو موسى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت