الصفحة 108 من 129

مرة أخرى الإخبار لتأتون الرجال (1) فقال: (( إنكم لتأتون. ثم استأنف

الرجال شهوة )) ، فلا داعي لكم إليه إلا مجرد الشهوة وقضاؤها، وهو وصف البهائم،

.(ومن غير التفات إلى بشاعتها وسماجتها (2

(وفي(( ما سبقكم. ا ) )معنى أ. م لم يسابقوا إلى الخيرات وإنما سابقوا وسبقوا في

المنكرات وفتحوا بابا من أبواب السوء كان مغلقًا فإذا كان للناس سبق في الخير سبق

هؤلاء في أبغض الأخلاق عند الله وعند الناس، وأ. م سنوا منه سنة سيئة (1 ) ) ، وأكده بإن

واللام لتصوير إصرارهم عليه و انصرافهم إليه كما هو وصف البهائم.

وفي التأكيد إشارة إلى أنه فعل من شأن النفوس أن تنكره لغرابته وشناعته ولأ. م

أول من جاء به، وفي الكلام تفصيل بعد إجمال وبيان بعد إ. ام (( لتأتون الفاحشة ) )ثم

بينها بأ. ا كذا بأسلوب مؤكد، في كل هذا إشارة إلى مزيد عناية. ذه الشنعاء وبيان

(شناعتها. (1

ومعنى قوله: (( من دون النساء ) )، في موضع الحال أي: (منفردين عن

النساء (2 ) ) ، وفيه زيادة تبيين وتحديد و تأكيد لصورة الشذوذ والانحراف الذي انحرفوا به

في إبراز قبائحهم و مذما. م بزياد. م معنى قصة. عن الطبيعة الآدمية، ثم تابع كلامه

أخرى على قصتهم بالاستدراك عليهم ببل، فقال: (( بل أنتم قوم مسرفون ) )يقول

البقاعي: (وقد خرج بقوله:(( بل ) )من قصة إلى قصة أخرى من خلائقهم التي جاوزوا

فيها حدودهم، وقيل: أنه أضرب عن توبيخهم إلى التصريح بحالتهم التي تنشأ عنها

. (شهوا. م هذه المنحرفة وهي الإسراف.) (3

وجاء وصفهم (( مسرفون ) )باسم الفاعل ليدل على موافقتها لهم، وثبو. ا

فيهم (4) ، وفيه إشارة إلى شناعة الإسراف؛ لأنه ذكر وصفا وعلة لهذه الشنعاء.

وكأن هذا الجزء من المعنى. ذا الخلق الذميم مرتبط بأصل من أصول الوصايا

الرحمانية والنداآت الربانية في مقدمة السورة في قوله تعالى: (( ولا تسرفوا إنه لا يحب

1)ينظر الكشاف ج 2 ص 125

2)البحر المحيط ج 4 ص 333 / وينظر نظم الدرر ج 3 ص 63

3)نظم الدرر ج 3 ص 62

4)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 62

المسرفين )) وقوله قبلها: (( قل أمر ربي بالقسط ) )، وقوله في خاتمة الآيات ما قبل

القصص: (( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) ).

في توبيخهم، وتتابع كلامه بعضه إثر بعض في. ونلاحظ طول مقالة لوط

تعنيفهم على فاحشتهم المنكرة، ما يدل على حنقه الشديد عليهم، وذهوله وحيرته منهم

كيف يأتيهم في مخاطبتهم علهم يشعرون بشناعة ما يفعلونه.

قومه بما أتوا به من المنكر، تولد معنى ثانيًا عن. و بعد. اية معنى من تعنيفه

موقف قومه وجوا. م له بعد ذلك الخطاب الصريح والمواجهة بالإنذار النبوي الأمين، وقد

حصل تطلع إلى سماع جوا. م له بعدما نصحوا بنصيحته لهم، واستبان خزيهم وعارهم له

وللناس، فهل استحيوا وذلوا واستجابوا؟ (1) . جاءت الآية التالية بالجواب: ((

وماكان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إ. م أناس يتطهرون )) (أي: ما

(جاءووا بما يكون جوابًا عن كلامه، والقصد منه نفي الجواب على أبلغ وجه.) (2

،ومعناه: أ. م تركوا الرد عليه، بالتصميم على ما هم عليه وعدم الإقلاع عما. اهم عنه

.(، وأرادوا الاستراحة من. يه وإنكاره. وفيه أ. م يكرهون التطهر وأهل الطهر (3

وفي جوا. م من القباحة ما هو أشد من قباحتهم الأولى بالفواحش إذ لم يستحيوا

بل تطاولوا على النبي النصيح، بل تجاوزا إجابته بالإعراض في حديثهم عنه إلى محادثة

بعضهم البعض بطلب طرده وإخراجه من بينهم وقومه، وكأنه الجاني الآثم بعلة هي أشد

في انحراف فطرهم وعمى بصائرهم إذ قالوا: (( إ. م أناس يتطهرون ) )، وتكراره وتجدد

حدوثه منهم بالفعل المضارع، وقد أكدوه بإن والاسمية، وهو ما يعرف في علم البيان

بالتعريض، بما يوهم الذم (4) . هذا وإن لم يريدوا مدحهم ورفع شأ. م، وإنما أرادوا ذمهم

):. ومنقصتهم بطهار. م وتقواهم - عليهم رضوان الله - كما قال ابن عباس

عابوهم بما يمدح به.) (1) ، ومعناه: أ. م نزعوا أنفسهم من أخلاق الناس وصاروا على

.(وجه مضاد(5

1)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 63

2)حاشية الشهاب ج 4 ص 315

3)ينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 235

4)ينظر البحر المحيط ج 4 ص 335

5)من إضافة الأستاذ المشرف د. محمد أبو موسى

و. يلمح في جوا. م بلوغ في الشذوذ لا يطيقون معه وجود الأطهار بينهم، وربما

عبر بضمير الغيبة عنهم لخروج ذلك الضيق على ألسنتهم بعدم التصريح. م.

بالمذمة لهم ولأتباعه لتطهرهم وتقواهم، وطردهم من بينهم،. وجواب لوط

.تشعب عنه معنى آخر متسبب (1) عن إجرامهم وفحشهم في أخلاقهم وجوا. م لنبيهم

، يقول تعالى: (( فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرا فانظر

للاهتمام. م، -. - كيف كان عاقبة ا. رمين )) ، وهنا كذلك قدم إنجاءه والمؤمنين

والمسارعة بمجازا. م، بإخراجهم من العذاب كما نوى قومهم إخراجهم من قريتهم

لطهار. م (( فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ) ).

وقد استثنى من أهله (وهم المؤمنون معه أو ابنتاه على الخلاف، واستثنى امرأته

(فإ. ا لم تنج، ومعنى الغابرين: أي: من الذين بقوا في ديارهم فهلكوا.) (1

ثم قال عنها: (( كانت من الغابرين ) )(تفسيرًا وتوكيدًا لما تضمنه الاستثناء من

كو. ا لم ينجها الله.) (1) ، وهي استئناف بياني فكأنه قيل: فماذا كان مصيرها؟ فقيل

. (:(( كانت من الغابرين ) )(2

ثم بين عذاب قومه ونوعه بقوله: (( وأمطرنا عليهم مطرًا ) )أي:(حجارة

الكبريت بعد أن قلعت مدائنهم ورفعت وقلبت حتى رجم. ا مسافروهم) (3) ، وعدي

.(بعلى لأنه ضمن معنى أرسلنا (4

وأكده بقوله: (( مطرا ) ) (3) ، ونكر. ويلا وتعظيمًا له، مما سبب (4) عنه الأمر

بالنظر والتأمل في هول عذا. م وعاقبتهم فقال: (( فانظر كيف كان عاقبة ا. رمين ) ).

1)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 64

2)ينظر تفسير أبي السعود ج 2 ص 514

3)نظم الدرر ج 3 ص 64

4)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 64

وفيه تحذير لأمته (1) من مثل تلك الأخلاق التي،. وهنا الخطاب للرسول محمد

كان عليها قوم لوط، وأسرفوا. ا ففسدوا وأفسدوا فهلكوا.

.. وهذه الآية هي خاتمة معاني هذا القسم من قصة لوط

1)ينظر البحر المحيط ج 4 ص 335

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت