فهرس الكتاب
(المبحث الخامس)
مع قومه. . قصة شعيب
وقصة هذا القسم ذات طول يخالف غيرها للمحاورات والمراجعات التي راجع. ا
قومه، فطالت. ا قصته. . صاحبها شعيب
وقد بدأت بأمره إياهم بعبادة الله وحده للبينات التي أيده الله. ا: (( وإلى مدين
أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم )) ثم
أتبع أمره إياهم بإيفاء الموازين و. يهم عن بخس الناس أشياءهم وعن الفساد في الأرض ((
فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها
ثم أتبع كذلك بنهيه إياهم ما يفسد أمور الآخرة، من القعود على الطرقات
لتخويف الناس وصدهم عن سبيل الله، وبغي الاعوجاج في دين الله وشرعه: (( ولا
تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به و تبغو. ا عوجا ... ))
ثم ختم تذكيره ووعظه بتفويض أمرهم إلى الله لعدم إيما. م وتوجهه إليه سبحانه
للحكم بينه وبينهم (( وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا
فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ))
ثم تفرع عن هذه المخاطبة والمحاورة الطويلة البليغة رد قومه عليه وعلى خطابه
وقد كان فع ً لا دون الكلام لأنه لم يبق لهم حجة (( قال الملأ الذين استكبروا من،.
قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعو. د ّ ن في ملتنا )) ثم تولد عن
.ديدهم لهم بالإخراج أو العود إلى ملتهم مرة أخرى جواب صادق في غاية البلاغة
والإيجاز، وكان كالتقديم لتفصيل مسهب، يبين عن الإيمان والإصرار عليه الذي لا
يردهم عنه شيء (( قال أولو كنا كارهين ... ) )ثم ترتب على ذاك الثبات المؤمن
)) . جواب قومه بالعنت والكفر و الأيمان برمي المؤمنين بالخسارة إن اتبعوا نبيهم
وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون )) فترتب على ذلك
الكفر والمكابرة نزول العذاب. م، والتعليق على عاقبتهم (( فأخذ. م الرجفة ... ) ).
ثم انتقلت الآيات إلى الحديث عن النبي الخطيب الرحيم، وقد تأسف عليهم وهو
يحاور نفسه ويخاطبها بصرفها عن التحزن عليهم (( فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم
رسالات ربي ... ))
وبعد التقاط تشعبات المعاني في هذا القسم، ونلتقط صورا من بنائها البلاغي،
الجزء الأول من المعنى: قوله تعالى: (( وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله
مالكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس
أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ))
(وقوله:(( وإلى مدين أخاهم شعيبا ) )أي: (وأرسلنا إليهم ِإشارة إلى عطفه) (3
3)، قال الحافظ ابن كثير: كان بعض).، وهم أولاد مدين بن إبراهيم خليل الله
السلف يسمي شعيبًا خطيب الانبياء (2) ،وقد أمرهم بعبادة الله وحده على عادة الأنبياء
فكان نمط قصته ودعوته على نمط قصصهم عليهم السلام.،. قبل لوط
ثم قال: (( قد جاءتكم بينة من ربكم ) )أي: معجزة، ولم يذكر القرآن هذه
المعجزة ولم يعيينها، وقد جاء في الحديث: (( ما من الأنبياء نبي إلا وأوتي من الآيات ما
(مثله آمن عليه البشر ) ) (2
وفي قوله: (( أخاهم شعيبا ) )مايكون أدعى لاستجابتهم لأنه أخوهم ومن بينهم
، وقال: (( قال يا قوم ) )ليعيد منطق النبي شعيب صلوات الله وسلامه عليه لأن من
كلامهم بلفظه مالا يكون في إعادة معناه، وكأننا نسمع كلامه صلوات الله وسلامه عليه
.وقوله:
(( يا قوم اعبدوا الله ) )قدم النداء على الأمر ليكون أبلغ وآكد، وكأنه يناديهم
ليحضرهم وينبههم ويوقظهم، لأن كلمة (اعبدوا الله) هي أصل دعوة النبيين وتتلقاها
القلوب بيقظة وفهم.
وقوله: (( مالكم من إله غيره ) )توكيد لأمره (( اعبدوا الله ) )مع بيان العلة
.(والسبب (1
ثم رتب (2) على مجيئه بالبينة الأمر بقوله: (( فأوفوا الكيل والميزان ) )أي: ابذلوا
ما تعطون وافيا (2) ،(ولما كان الأمر بالوفاء يتضمن النهي عن البخس صرح به على وجه
يعم غيره) (3) فقال: (( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) )، وهو توكيد للأمر السابق وزيادة
.(عليه بحفظ حقوقهم مطلقًا (4
و بينهما أي: الأمر والنهي مقابلة (( فأوفوا الكيل ) )، (( ولا تبخسوا الناس
أشياءهم )) .
ويرى الطاهر بن عاشور أن الأمر في (( فأوفوا الكيل والميزان ) )لحفظ حقوق
المشتري، وأن النهي في (( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) )لحفظ حقوق البائع، وبذا
يظهر أن المعنى مختلف بين الآيتين، وعليه قال: (وليس ذلك النهي جاريًا مجرى العلة
. (للأمر، أو التأكيد لمضمونه، كما فسر به بعض المفسرين) (5
والذي تدل عليه آية النهي هو عموم البخس في أشياء الناس كلها أيا ما كانت في
بيع وشراء أو غيره كما جاء في التفاسير، فقد جاء عند ابن جرير أن معنى (( ولا تبخسوا
. (الناس أشياءهم ) ): (ولا تظلموا الناس حقوقهم ولا تنقصوهم إياها) (6
وجاء في التفسير الكبير قول الرازي: (والمراد أنه لما منع قومه من البخس في
الكيل والوزن منعهم بعد ذلك من البخس والتنقيص بجميع الوجوه، ويدخل فيه المنع من
. (الغصب والسرقة وأخذ الرشوة وقطع الطريق وانتزاع الأموال بطريق الحيل) (7
1)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 65
2)ينظر تفسير أبو السعود ج 2 ص 515
3)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 65 / و ينظر حاشية الشهاب ج 4 ص 319
4)ينظر روح المعاني ج 8 ص 177
5)التحرير والتنوير ج 9 ص 244
6)جامع البيان ج 8 ص 237
7)التفسير الكبير ج 14 ص 174
وعلى هذا المعنى العام فالنهي في الآية توكيد للأمر قبله، كما صرح به الإمام
الألوسي سابقًا قبله، وعليه تكون الآية من باب عطف العام على الخاص.
ثم إن بخس حقوق الناس وتضييعها، يفتح أبواب المنازعات والخصومات، وربما
.(الاعتداء على باقي حرما. م، والإفساد في الأرض (1
استدعى هذا ومهد لنهي عن مضاعفات ونتيجة وعاقبة الاعتداء بالبخس في أشياء
الناس فقال: (( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) )(أي: توقعوا الفساد في الأرض
. (بوضع شيء من حق الحق أو الخلق في غير موضعه) (2
وقوله: (( بعد إصلاحها ) )توكيد للنهي بذكر نعمة الله (3) ،وبينهما طباق
أي: الإصلاح والإفساد، وهذه الآية هي نفس الآية التي جاءت قبيل القصص وهي قوله
تعالى: (( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفًا وطمعًا ) )وإصلاحها كما
سلف بخلقها وخلق منافعها وإرسال الرسل وإنزال الكتب والشرائع(ويجمع ذلك كله
التنزه عن الإساءة) (3) ، ثم جمع تلك الأمور بقوله: (( ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين
)) (لأن ترك البخس وترك الإفساد خير لكم في طلب المال في المعنى لأن الناس إذا علموا
. (منكم الوفاء والصدق والأمانة رغبوا في المعاملات معكم) (1
ولم ينته هذا المعنى بنهاية الآية، وإنما استدعى. يهم عما يفسدونه من أمور الدين
، بل هو مما يعم الصلاحين إذ هو الداعي للإصلاح الأول من أمور الدنيا، فجاءت الآية
الثانية تابعة ومتصلة بالمعنى السابق: (( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون و تصدون عن
سبيل الله من آمن به وتبغو. ا عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان
عاقبة المفسدين )) آيات خطاب شعيب فاتحة على الأمر والنهي فيها أربعة أوامر ((
اعبدوا الله )) (( فأوفوا الكيل ) ) (( واذكروا إذ كنتم قليلا ) ) (( وانظروا ) )، وثلاثة
نوا. ه (( لا تبخسوا الناس أشياءهم ) ) (( ولا تفسدوا ... ) ) (( ولا تقعدوا ... ) )، وهذا مع
ذا. سمت واحد و يحذى في بنائه حذوا واحدا،. ما فيه من إيجاز شديد يجعل كلامه
قوله تعالى: (( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ) )(أي: ولا تقتدوا بالشيطان في قوله
1)ينظر التفسير الكبير ج 14 ص 174
2)نظم الدرر ج 3 ص 66
3)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 66