الصفحة 110 من 129

: (( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) )فتقعدوا بكل صراط أي: بكل منهاج من مناهج

. (الدين) (1

ونلاحظ أن هذا المعنى الذي ذكره الزمخشري وغيره للآية مستوحى كما ذكره من

الآية في مقدمة السورة على لسان إبليس اللعين: (( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) )لأنه

رأس للشر ودال عليه، ومن بعده اتباع له، فلذا اتصل المعنى هنا. ذا المحور من مقدمة

السورة. و القعود كناية عن الملازمة والاستقرار (2) ، (والدليل على أن المراد بالصراط

سبيل الحق قوله: (( وتصدون عن سبيل الله ) )ومحل (توعدون) ، وما عطف عليه

النصب على الحال، أي: ولا تقعدوا موعدين وصادين عن سبيل الله و باغيها عوجا

وعلى قول الزمخشري أن الصراط هو سبيل الله فإن قوله: (( وتصدون عن

سبيل الله )) توكيد لقوله: (( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ) )، وتخصيص الصد عن

.(سبيل الله لأنه داع للإصلاح صاد عن الإفساد (3

والتعبير بالمضارع (( تقعدوا، تعبدون، تبغو. ا ) )فيه دلالة على الترصد والملازمة

لهذه الأفعال.

ووضع لفظ الجلالة (( سبيل الله ) )موضع المضمر لتقبيح أمرهم، وعظم ما

يصدون عنه (4) ،وتفظعيه.

وهذه الآية مرتبطة بمحور من محاور الترهيب والتخويف في السورة، في خطاب

أهل الجنة لأهل النار (( فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن

. (سبيل الله ويبغو. ا عوجا وهم بالآخرة كافرون ) ) (45

ومعنى قوله: (( و تبغو. ا عوجا ) )(أي: تطلبون اعوجاجها بإلقاء الشبهات

والشكوك) (5) ،وكأن الاعوجاج نتيجة للفعلين قبله، وهو (توعدون) ،(وتصدون عن

1)الكشاف ج 2 ص 128

2)ينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 246

3)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 67

4)ينظر الكشاف ج 2 ص 128

5)نظم الدرر ج 3 ص 67

سبيل الله) ثم ذكرهم بنعمة الله عليهم ليرغبهم في طاعته والانقياد له فقال: (( واذكروا

إذ كنتم قلي ً لا فكثركم )) .

.(فولدت حتى كثر عددهم (1. من ابنة لوط. فقد تزوج مدين بن إبراهيم

ثم خوفهم مرة أخرى فقال: (( وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ) )، وقد

.(استؤصلوا ولم تبق لهم باقية (1

وبين مقطعي الآية تقابل في المعنى ترغيبًا وترهيبًا بنعمة تكثير العدد، وبالتخويف

من الاستئصال والإفناء الكامل.

لقومه؛. ثم إن هناك تقابل ظاهر خفي في المعاني بين الآيتين في نصائح شعيب

فقوله: (( فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد

إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين )) ، وقوله: (( ولا تقعدوا بكل صراط

توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغو. ا عوجا واذكروا إذ كنتم قلي ً لا

فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين )) ، فإن توجيهات الآية الأولى ثلاث، تتعلق

بإصلاح أمور الدنيا، الثانية منها (( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) )توكيد للأولى (( فأوفوا

الكيل والميزان )) ، والثالثة (( ولا تفسدوا في الأرض ) )كالعاقبة والنتيجة للأولى والثانية

ثم اتبعها بتذكيرهم فيها بنعمة الله عليهم بقوله: (( بعد إصلاحها ) )من قوله:

(( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) ).

وختم هنا بقوله: (( ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ) ).

أما الآية الثانية فإن توجيها. ا تتعلق بأمور الآخرة، وقد كانت الثانية (( وتصدون

عن سبيل الله )) كذلك توكيد للأولى (( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ) )، والثالثة

(( و تبغو. ا عوجا ) )كالغاية والنتيجة للأولى والثانية.

ثم ذكرهم كذلك بنعمة الله عليهم بقوله: (( واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم ) )

وقد كان التقابل بين النعمتين الأولى و الثانية في غاية التوافق والتقابل؛ فإن الكثرة في

1)ينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 249

العدد على الأرض الصالحة يأتي بكل خيرات الدنيا والآخرة، إن توفر شرط الإيمان، ولذا

ختم في الأولى بقوله: (( ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ) )، وهو أسلوب ترغيب.

وإن لم يتوفر شرط الإيمان تكون الشرور في الدنيا والآخرة، ولذا ختم في الثانية

بقوله: (( وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ) )،وهو أسلوب ترهيب فالمقصد الذي

يتوصل إليه أن شرط الإيمان تصلح به أمور الدنيا والآخرة، وتتكاثر به خيرات الدنيا

والآخرة.

ولذا مهد هذا التقابل في المعاني بين ترغيب وترهيب. ذا المقصد وهو صلاح الدنيا

والآخرة بشرط الإيمان، مهدت عاقبة الإيمان هذه للمعنى التالي في الآية التالية بخطا. م

بتعليق وقوعها مستقب ً لا بحسب تحققهم به من عدمه.

وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت )):. فجاء قوله تعالى على لسانه

به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين )) .

(وخطاب اصبروا للمؤمنين، ويجوز للفريقين، أي: ليصبر المؤمنون على أذى

الكفار، على ما يسؤهم من إيما. م، أو للكافرين، أي: تربصوا لتروا حكم الله بيننا

. (وبينكم) (1

في الكلام والمقام لكلا الطرفين بحسب التحقق. وهنا حسن تقسيم منه

بالإيمان، ثم رتب العاقبة لك ٍ ل، وعليها يحكم خير الحاكمين،(وقد جاء. ا في

.. صورة المشكوك فيه) (2) ،وهذا من حسن محاورته

لقومه وهو خطيب الأنبياء بشهادة سيد. وتمت الآية هنا بمخاطبة شعيب

ثم انتقلت إلى معنى ثان متولد عن الأول وهو رد قومه عليه وموقفهم منه،،. الأنبياء

فجاء قوله تعالى: (( قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا

معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا )) وكان الرد بالفعل (3) دون الكلام، وهذا غاية في

لكل ما يمكن أن يكون لهم حجة والقعود لهم بكل. الإقحام من مطاولة محاورته

طريق يدخلون منه بعذر وشبهة.

1)حاشية الشهاب ج 4 ص 328

2)البحر المحيط ج 4 ص 340

3)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 68

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت