فهرس الكتاب
وقوله: (( الذين استكبروا من قومه ) )مبني و مهيء لمقالتهم وهي (لنخرجنك)
، لأن هذا هو كلام أهل الغطرسة و الكبرياء و تخييرهم له بين الإخراج أو العود في
ملتهم باب آخر من باب الاستكبار، لأ. م لا يقبلون في قريتهم من هو خارج عن ملتهم
ومناداته باسمه مجردًا (يا شعيب) مع القسم. ونتأمل إفرادهم له بالخطاب
وأنه الرأس،. (لنخرجنك) ، ما يصور غاية الحنق والغيظ من محاوراته ومراجعاته
ومن معه من المؤمنين أتباع، ولذا قالوا عنهم: (( والذين آمنوا معك ) ).
ثم قولهم: (( أو لتعودن في ملتنا ) )والعودة من باب تغليب الجماعة، و إلا فهو
.(قبل النبوة (2. محفوظ
ثابتًا ملجمًا، في غاية الوجازة والبلاغة (( أولو كنا. ثم جاء جوابه مباشرة
كارهين )) .
.(والهمزة لإنكار الوقوع ونفيه، لا لإنكار الواقع (3
وكأن هذا الجواب الموجز كالتقديم لتتابع تفصيل مسهب؛ فقد استأنف كلامه
بعد ذلك الإيجاز الملجم بتفصيل مسهب مفصح مع بلاغة موجزة لمعان عظيمة.
.معجزة، تصور مدى الإيمان والثبات الذي عليه أصحابه، وقد ضم نفسه إلى أتباعه
في خطابه ليدل على مدى الصمود والرسوخ الذي جمعهم و جعلهم نفسًا واحدة فقال:
(( قد افترينا على الله كذبًا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود
فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علمًا على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين
قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين )) .
قوله تعالى: (( قد افترينا على الله كذبًا إن عدنا في ملتكم ) )(أي: تعمدنا الآن
. (بما نقوله لكم أي: من أن الله حرم الكفر والإقرار عليه) (4
1)من إضافة الأستاذ المشرف / د. محمد أبو موسى
2)ينظر الكشاف ج 2 ص 129
3)ينظر تفسير أبي السعود ج 3 ص 4
4)نظم الدرر ج 3 ص 69
وقوله: (( إلا أن يشاء الله ربنا ) )إلا إن سبقت السابقة علينا بالعود إلى الكفر
. (( فيمضي فينا حينئذ قضاء الله فينفذ مشيئته علينا) (1
ولفظ (ربنا) لصدقه في (.) وهنا أتى بالاسم الأعظم، وهو لفظ الجلالة
(لجوئه إلى ربه، واستحضاره لمعاني الأسماء الحسنى كلها، وتذكر تربيته وشفقته سبحانه (2
، وهذان الاسمان الجليلان مرتبطان بسياق الآية من قوله تعالى في التمهيد للقصص:
(( إن ربكم الله ) ).
ثم علل لتعليقه الأمر بمشيئة الله ربه فقال: (( وسع ربنا كل شيء علما ) )فهو
الذي له العلم الكامل بعواقب الأمور وخواتم الأعمال و هل كتب علينا العود إلى ملتكم،
ثم فوض أمره وأمرهم إلى من بيده الحول والقوة، وكأن الخوف من خواتم الأعمال مقلق
لقلوب المؤمنين الصادقين فكأ. م سألوا: ما العمل وأين المفر؟ (2) فقال: (( على الله
.. توكلنا )) ، وأظهر لفظ الجلالة لإحضاره في قلو. م، لإتمام التوكل عليه
ثم كان تفويض الأمر إلى الله مذكر بدعائه سبحانه و اللجوء إليه.
(ثم ختم دعاءه بقوله:(( وأنت خير الفاتحين ) )، (وهو تذييل لمضمون ما قبله) (3
،وهذا الاحتكام كرره هنا بعد إعلانه لهم في أول دعوته لهم في قوله: (( فاصبروا حتى
يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين )) وهذا الاحتكام إلى الله وتكراره له، له ماله عند
أصحاب العقول المنصفة التي تبحث عن الحق.
.وانتهى هذا الجزء من المعنى بصمود المؤمنين عليهم الرضوان وخطابة نبيهم
قومه بالثبات والتوجه إلى الله في القضاء في أمرهم.
وترقب مقالتهم أمام هذه المفاتحة من الله العليم. وانتقلت الآيات إلى قومه
سبحانه فقال عاطفًا على قولهم الأول (4) : (( وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم
شعيبًا إنكم إذا لخاسرون )) .
1)جامع البيان ج 8 ص 2
2)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 69
3)تفسير أبي السعود ج 3 ص 6
4)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 71
وقد أظهر هنا وصفهم بالكفر (( وقال الملأ الذين كفروا من قومه ) )لأن وصفهم
.(بالكفر حملهم على الكفر (1
وأعاد كلمة (من قومه) ليظهر أ. م ممن يعرفونه بينهم بالأمانة والإخلاص لهم
.(ومع ذلك ظاهروه بالعداوة (1
ثم نتأمل قولهم: (( لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون ) )فهي آخر محاولا. م
ودعوته، وقد ظهر حرصهم على صدهم بتوكيدهم بالقسم. لصدهم عن شعيب
المشروط.
(و أجاب القسم بما سد عن جواب الشرط بقولهم: (( إنكم إذا
ويلاحظ،. لخاسرون )) ) (1) ، وعلقوا الخسارة التامة مؤكدة باللام باتباعهم شعيبا
قصور جوا. م عن برهان أو دليل يقنع العقول، لخلوهم منه وانقطاعهم عنه وهم أمام
فلجؤوا إلى الأيمان المؤكدة بدلا عنه في عبارة قصيرة مربوطة بشرط،. خطيب فصيح
وجواب.
وبكفر القوم واستكبارهم على الرسول و اتباعه، وبذلهم الأيمان لصرفهم عنه تم المعنى.
ثم تفرعت الآيات إلى معنى جديد متوقع ومترقب مبني على هذا الكفر والاستكبار
فجاء قوله تعالى: (( فأخذ. م الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ) ) (2) أي: ميتين لازمين
لأماكنهم لا حراك. م.
ثم استأنفت (3) الآية في الحديث عنهم بعد وقوع العذاب. م (( الذين كذبوا
. (شعيبا كأن لم يغنوا فيها ) ) ، وشبه حالة استئصالهم بمن لم تكن له حياة (4
ثم استأنف (5) مرة أخرى لبيان ابتلائهم فقال: (( الذين كذبوا شعيبا كانوا هم
الخاسرين )) ، وهنا تكرر وصفهم بالتكذيب بالموصول، لأن تكذيب الصادقين في غاية
الشناعة.
1)نظم الدرر ج 3 ص 71
2)ينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 14
3)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 72
15_ 4) ينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 14
5)ينظر أبو السعود ج 3 ص 7
وأرجع الخسارة عليهم بتوكيد ضمير الفصل وتعريف الطرفين وقصر الخسارة
عليهم، لأن خسار. م مؤبدة في الدنيا والآخرة.
وانتهى هنا المعنى بذكر عاقبة القوم الخاسرين ثم انتقلت الآيات إلى معنى آخر عند
نبي الله شعيب بعد نزول العذاب عليهم يقول تعالى: (( فتولى عنهم وقال يا قوم لقد
أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين )) .
عن ديارهم (( فتولى. (وقد سبب عذا. م وغضب ر. م عليهم أن هاجر(1
عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم ))
وحزنه لعدم استجابتهم لدعوته وما أرسل. ونداؤه لهم تحسرا عليهم لرحمته
به من المعجزات(وقد دفع خاطر الحزن عليهم بأ. م لا يستحقون أن يؤسف عليهم
1)؛ (( فكيف آسى على قوم كافرين ) ).) (. باستفهام إنكاري خاطب به نفسه
وأظهر وصفهم بالكفر (( على قوم كافرين ) )ليزيد من تعزية نفسه والمؤمنين
.(معه(2
.. وبنهاية هذه الآية تكاملت معاني هذا القسم من قصة شعيب
1)ا لتحرير والتنوير ج 9 ص 15