الصفحة 112 من 129

(المبحث السادس)

وقفة لأخذ الموعظة والعبرة، ووعيد و. ديد لمن يسلك سبيلها.

وآيات هذا القسم تسع، تبدأ من قوله تعالى: (( وما أرسلنا في قرية من نبي إلا

أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون (94 ) ) )، وتنتهي بقوله تعالى: (( وما

.(( (وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين (102

وتحتوي لمحًا إجماليا للقصص المتقدم، وهي تفصيل لقوله تعالى في مقدمة السورة

: (( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أوهم قائلون ) )، وهي كذلك إجمال

لسنن الله القائمة في خلقه، وتقليبهم في نعمه المتتابعة عليهم، وما يصرفه فيهم من بأسائه

وتعجيلا بملاطفاته،. وضرائه، علهم يؤمنون، مواساة وتسلية حانية لسيد الصابرين

لطولها وتشعبها، فتكون كالوقفة،(ليعلم أن الكل،. الرحيمة له مثل قصة موسى

على طريقة واحدة في الكفر، وأن تكذيبهم واستكبارهم أوجب لهم العذاب والإهلاك

فيكون إجمال الحديث عنهم كالقاعدة المنطبقة على الجزئيات في جميع الأقوام) (1) ، فهي

.(كالمقدمة جاءت بين القصص، لأخذ العبرة والموعظة (2

وبناء المعاني في هذا القسم كالتالي:

إشارة إجمالية لما سبق من القصص وما صرف في أهلها من الشدة والبأساء لعلهم

يلجأون إلى الله ويؤمنون به (( وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء

والضراء لعلهم يضرعون )) ، ثم ترتب على عدم إيما. م ورجوعهم إلى الله بالشدة تبديل

حالهم إلى رخاء ونعمة لعلهم يشكرون، ولم يؤمنوا فتسببوا في نزول العذاب وهو قوله

تعالى: (( ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء

فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون )) ، ثم انتقلت الآيات إلى معنى آخر متصل بما قبله من

وجه آخر يضاده متسبب عنه لو أنه متحقق وهو قوله تعالى: (( ولو أن أهل القرى آمنوا

واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض (96 ) ) ) ثم اقتضى حالهم من الرسوخ في

الكفر والولوغ فيه إنكارًا بعد إنكار وتوبيخًا بعد توبيخ لكل من يصنع صنيعهم من كفار

1)نظم الدرر ح 3 ص 73 وينظر التفسير الكبير ح 14 ص 183

2)ينظر التحرير والتنوير ح 9 ص 16

مكة وغيرهم، فجاءت الآيات الآتية: (( أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم

نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أفأمنوا مكر الله فلا يأمن

مكر الله إلا القوم الخاسرون أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء

أصبناهم بذنو. م ونطبع على قلو. م فهم لا يسمعون )) .

عن الأمم السابقة، وحكاية. ثم انتقلت الآيات إلى التفات لمخاطبة حضرة النبي محمد

أخبارها بإصرارها على التكذيب وعقوبة الله لها بالطبع على قلو. ا، تحذيرا لكفار قريش

إن أصروا وإن كذبوا كما كذبوا (( تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاء. م

رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب

.(( (الكافرين (101

(( (( (وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين (102

وتتبع ملخص في هذا القسم ملخصنا لبنائها البلاغي.

الجزئية الأولى من المعنى قوله تعالى: (( وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها

بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ))

قوله: (( وما أرسلنا في قرية ) )عطف على ما سبق من قوله: (( وإلى مدين

أخاهم شعيبا )) ، وهي آيات عامة في الوعظ والإنذار لأهل مكة، عطفت على ماسبق

.(من القصص الخاصة بالأمم المكذبة حتى يعم سائر الأمم المكذبة (1

وفي الآية ضروب من التوكيد النفي والاستثناء الذي لا يؤتي به في كلامهم إلا لمعنى يجهله

المخاطب أو ينكره أو معنى يترل هذه المترلة، وهو هنا من الثاني وكأن المراد تثبيت هذه

الحقيقة؛ وهي أن الله سبحانه وتعالى يجري على عباده ما يجعلهم يتوبون إليه ويضرعون،

رحمة منه. م، ولا يهلك عليه إلا هالك، و كلمة (من) الزائدة المفيدة لاستغراق كل

الأنبياء. وكلمة (( أخذنا ) )، فيها معنى الشدة والاقتدار حتى يضرعوا ويتوبوا.

(( ومعنى (( بالبأساء ) ): البؤس والفقر، ومعنى (( الضراء ) )بالضر والمرض لاستكبارهم (2

.وذكر الطاهر أن الأخذ من قوله: (( أخذنا ) )مجاز في الغلبة، يقول:(مجاز في التناول

1)ينظر التحرير والتنوير ح 9 ص 16

2)الكشاف ح 2 ص 132

والإصابة بالمكروه الذي لا يستطاع دفعه، وهو معنى الغلبة.) (1) ، حيث أطلق الأخذ

وأراد الغلبة.

ثم علل ذلك بقوله: (( لعلهم يضرعون ) )(أي: فعلنا ذلك ليتضرعوا إلى ر. م

ويستكينوا إليه وينيبوا بالإقلاع عن كفرهم، والتوبة من تكذيب أنبيائهم.) (2) وهذه

الكلمة: (( لعلهم يضرعون ) )مهدت لمتابعة الحديث عنهم، وسرد الأخبار عن أحوالهم،

وكيف يقلبهم الله فيها، فجاءت الآية التالية متابعة الحديث عنهم (( ثم بدلنا مكان السيئة

الحسنة )) ، وهي معطوفة على قوله: (( أخذنا ) ) (3) ، ومعنى (( السيئة) : أي: النقمة

(والحسنة) : النعمة.) (4) ، وأفادت (حتى) في قوله: (( حتى عفوا ) )طول النعم،

(يقول البقاعي:(((حتى عفوا ) )أي: كثروا وكثرت نعمهم، فلم يشكروا.) (5

ثم عطف (( وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء ) )يعني: (وأبطر. م النعمة

(وأشروا فقالوا هذه عادة الدهر .... وما هو بابتلاء من الله لعباده.) (1

ولما كان هذا حالهم سبب (5) لهم نزول العذاب. م، يقول تعالى: (( فأخذناهم

بغتة وهم لا يشعرون )) وأخذهم بالعذاب بغتة أشد وأعظم، وأكده (6) بقوله: (( وهم

لا يشعرون )) ليكون أشد وقعًا، وأشد ردعا وتخويفا، لكفار مكة وغيرهم.

وبانتهاء المعنى. لاك القرى الكافرة الجاحدة لأنعم ر. ا، جاء وراءه معنى آخر،

وهو تابع له من وجه يضاده، إذ هو متسبب (6) لو أن شرطه متحقق وهو قوله تعالى:

(( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا

فأخذناهم بما كانوا يكسبون )) .

وقوله: (( ولو أن أهل القرى ) )معطوف (6) على قوله: (( وما أرسلنا في قرية

من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء )) .

1)التحرير والتنوير ح 9 ص 17

2)جامع البيان ح 9 ص 7

3)ينظر تفسير أبي السعود ح 3 ص 8

4)نظم الدرر ح 3 ص 73

5)ينظر نظم الدرر ح 3 ص 74

6)ينظر التحرير والتنوير ح 9 ص 21

فلو أن أهل القرى المعذبة آمنوا واتقوا ر. م لما عذ. م ر. م، وإنما أنزل عليهم

البركات من السماء بأمطارها، ومن الأرض بأثمارها، (ولأتيناهم بالخير من كل وجه.

فلما امتنعوا عن الإيمان، امتنعت عنهم البركات، ولذا استوجبوا العذاب

وتسببوا (2) في نزوله (( فأخذناهم بما كانوا يكسبون ) ).

والباء هنا (بما) سببية، وجاء الفعل (( يكسبون ) )مضارعا لإفادة تتابع أعمالهم

في التكذيب والكفر وتجدده فيهم. ونكرت البركات لتعظيمها وتنويعها.

(واللام في القرى للعهد أو للجنس. (1

وفي قوله: (( لفتحنا ) )استعارة، حيث شبه البركات بالبيوت التي تفتح، يقول

الطاهر:(وتعدية فعل الفتح إلى البركات هنا استعارة مكنية بتشبيه البركات بالبيوت في

الانتفاع بما تحتويه.) (3) ، فالبركات صارت كنوزًا تفتح، تعظيمًا لها وتكثيرا وتفخيما.

ولم ينته المعنى هنا؛ فإنه لما كانت النتيجة امتناع البركات عنهم لامتناعهم عن

الإيمان، استدعى هذا الإنكار عليهم وتوبيخهم لأمنهم مكر الله، فجاءت الآية التالية في

.ديدهم ووعيدهم والإنكار عليهم في صورة استفهامات متتابعة: (( أفأمن أهل القرى

أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون

أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون )) .

وقوله: (( أفأمن أهل القرى ) ) (معطوف على قوله:(( فأخذناهم بغتة ) )

وقوله: (( ولو أن أهل القرى ) )إلى (( يكسبون ) )وقع اعتراضا بين المعطوف

1)الكشاف ح 2 ص 133

2)ينظر نظم الدرر ح 3 ص 74

3)التحرير والتنوير ح 9 ص 21

4)من إضافة المشرف / د. محمد أبو موسى

والمعطوف عليه، وإنما عطف بالفاء لأن المعنى: فعلوا وصنعوا، فأخذناهم بغتة، أبعد

ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا، وأمنوا أن يأتيهم ضحى.) (1) ، فالإنكار في

: (( أفأمن أهل القرى ) )وما بعده مترتب على الأخذ (( فأخذناهم بغتة ) ).

ويرى الإمام البقاعي أن الجملة معطوفة على (( كذبوا ) )(لأنه سبب الغلط،

(وهو سبب الأمن.) (2

وقد خوفهم الله تعالى بترول العذاب عليهم في وقت غفلتهم، وهو نومهم بالليل

ولعبهم بالنهار (3) . وعبر بالفعل المضارع (( يأتيهم ) )لإحضار هوله وشدته في النفوس،

وكذلك نلاحظ أنه عبر بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت في قوله: (( وهم نائمون ) )

لأن النوم يقتضى الاستقرار (2) ،وعبر بالفعلية في قوله: (( وهم يلعبون ) )للدلالة على أن

لعبهم يتجدد ولا يتوقف، وجيء بالمظهر موضع المضمر في قوله: (( أو أمن أهل القرى

)) لأن فيه زيادة تخويف وتقريع وتشنيع (4) ، (وقصد منه كذلك تقرير التعجب من

(غفلتهم.) (5

وفي قوله: (( يلعبون ) )مجاز مرسل، ويصح أن يكون استعارة يقول الألوسي

:(مجاز مرسل أي: يلهون من فرط الغفلة، ويحتمل أن يكون هناك استعارة أي:

يشتغلون بما لا نفع فيه كأ. م يلعبون) (6) ،فا. از على أنه أطلق اللعب وأراد اللهو، وعلى

الاستعارة لشبههم بمن يلعب.

وجاءت في الآية بمعنيين: أن تكون بمعنى أحد الشيئين، والمعنى: أفأمنوا إحدى

(هذه العقوبات، أو تكون للإضراب عما قبلها، والمعنى: استواء هذه الضروب.(7

1)الكشاف ج 2 ص 134

2)نظم الدرر ج 3 ص 74

3)ينظر التفسير الكبير ج 14 ص 185

4)ينظر البحر المحيط ج 4 ص 349

5)التحرير والتنوير ج 9 ص 23

6)روح المعاني ج 9 ص 12

7 186 - ) ينظر التفسير الكبير ج 14 ص 185

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت