فهرس الكتاب
ونرى المقابلة ظاهرة بين الآيتين: (( أفأمن أهل القرى أن يأتيهم باسنا بياتا وهم
نائمون )) ، (( أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون ) )بين البيات
والضحى، وبين النوم واليقظة.
وفي قوله: (( أفأمنوا مكر الله ) )تكرار لما ذكره أولا لزيادة التقريع، يقول
الألوسي: (تكرار. موع الإنكارين السابقين، جمعا بين التفريق قصد إلى زيادة التحذير
(والإنذار.) (1
، (وقال الزمخشري:(ومكر الله استعارة، لأخذه العبد من حيث لا يشعر.) (2
ومذهب سلف الأمة في صفات الله تعالى إثبا. ا على وجه يليق بجلاله، أي: الإقرار
والإمرار.
وعطف بالفاء وإسناد الفعل إلى الضمير في قوله: (( أفأمن ) )لأ. ا تأكيد للتي
.(قبلها (3
وجملة (( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) )متفرعة عن التعجيب في قوله
: (( أفأمنوا مكر الله ) )لإثبات خسار. م، يقول الطاهر: (لأن المقصود منه تفريع أن
أهل القرى المذكورين خاسرون لثبوت أ. م أمنوا مكر الله والتقدير: أفأمنوا مكر الله فهم
(قوم خاسرون.) (4
وهذه الآية فلا (( يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) )ترتبط مع قوله تعالى في
مقدمة السورة: (( ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم ) )من جهة
الخسارة؛ إذ خفة موازينهم من الحسنات هنا وهناك أمنوا مكر الله.
ولم ينته هذا الجزء من المعنى بخسارة القوم الغافلين الآمنين من مكر الله تعالى
بإهلاكهم، وإنما أتبع الإنكار على من أتى بعدهم لعدم تفكرهم واعتبارهم بمن سبقوهم،
فقال تعالى: (( أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنو. م
ونطبع على قلو. م فهم لا يسمعون )) .
1)روح المعاني ج 9 ص 12
2)الكشاف ح 2 ص 134 / والبحر المحيط ج 4 ص 349 /وتفسير البيضاوي ج 4 ص 333
3)ينظر البحر المحيط ج 4 ص 349
4)التحرير والتنوير ج 9 ص 24
وهذه الجملة (( أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها ) )معطوفة على
جملة (( أفأمن ) ) (1) ،والمعنى: (أن لو نشاء فعلنا. م كما فعلنا بمن قبلهم فأخذناهم
. (بذنو. م وعجلنا لهم بأسنا كما عجلنا لمن كان قبلهم) (2
وأظهر في موضع الإضمار للتعميم وتعليق الوصف، والتنبيه على بلاد. م وعماهم
(عن العبر والمواعظ، ولذا تسبب عن قوله:(( فهم لا يسمعون ) )(1
(( والإرث) هنا مجاز) (3) عن الإخلاف، حيث أطلق الإرث وأراد امتلاكهم
الأرض، وقد عبر عنه بالمضارع (( يرثون ) )، ليعم الخطاب مع مرور الأزمان، وتتابع
الأخلاف.
ثم عطف قوله: (( ونطبع على قلو. م ) )على قوله: (( أصبناهم ) )، وقد منعه
الزمخشري(لأنه يستلزم انتفاء كو. م مطبوعا على قلو. م، لما تفيده كلمة لو من انتفاء
جملتها.) (3) ، ليفر من دخولها تحت المشيئة على مذهبه الاعتزالي؛ لأنه قبيح، والله تعالى
منزه عنه. ورده عليه ابن المنير في حاشيته لأن الطبع ليس من لوازم اقتراف الذنوب،
إذ يقول: (بل يجوز عطفه عليه، ولا يلزم أن يكون المخاطبون موصوفين بالطبع،
ولا يضرهم إن كانوا كفارا أو مقترفين للذنوب، فليس الطبع من لوازم اقتراف الذنب
ولا بد إذ الطبع هو التمادي على الكفر والإصرار عليه، والغلو في التصميم حتى يكون
الموصوف به مأيوسا من قبوله للحق ... وهو مقتضى العطف على أصبناهم، فتكون الآية
قد هدد. م بأمرين: أحدهما: الإصابة ببعض ذنو. م، والآخر: الطبع على قلوبهم
(، وهذا الثاني أشد من الأول.) (4
ودل الفعل الماضي في الإصابة على السرعة مع الكلية، ودل الفعل المضارع في
.(الطبع على التجدد، فالطبع على قلو. م متجدد بمرور الزمان(2
1)ينظر نظم الدرر ح 3 ص 75
2)جامع البيان ح 9 ص 9
3)الكشاف ح 2 ص 132
4)الكشاف ج 2 ص 134
2)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 76
3)ينظر أبي تفسير السعود ج 3 ص 11
4)جامع البيان ج 9 ص 11
5)ينظر تفسير أبي السعود ج 3 ص 10
6)نظم الدرر ج 3 ص 76