الصفحة 114 من 129

واختتم المعنى. ذا بالإنكار المتتابع. والإنذارات المتتالية، ثم تحولت الآيات

من كفار قريش،،. لمخاطبة سيد المرسلين، من قص أخبار الأمم الماضية تعريضا بأمته

وتحذيرا لهم،، فقال تعالى: (( تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاء. م رسلهم

بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين )) ،

وهذا المعنى في هذه الآية مستأنف (3) لما قبله من المعاني حول قصص الأمم الماضية المكذبة.

(وأشار بقوله:(( تلك ) )إلى القصص المذكورة من قصة قوم نوح وعاد وثمود

4)، وأفادت معنى جدارة البعد عنهم والهرب منهم لعظمة ما) (. . ولوط وشعيب

حصل لهم من العذاب (2) ، ولبعد مترلتهم في الغضب واللعنات من ر. م.

وجاءت أل المعنى العهد (5) في قوله: (( القرى ) )، ودلالة الفعل المضارع على

عدم انقضاء القصة، وأفادت (من) التبعيض، فهذه بعض أخبارها (5) . وفيه استنطاق

.(لأماكن العذاب لأهلها في أراضيها مما هو أفظع وأهول (5

ثم جاء قوله تعالى: (( ولقد جاء. م رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا

من قبل ))

وهذه شهادة الله للرسل بالتبليغ يقول البقاعي: (أي: فلم يتسبب عن ذلك بسبب

(طبعنا على قلو. م إلا أ. م ما كانوا موفقين ليؤمنوا.) (6

وقوله تعالى: (( فما كانوا ليؤمنوا ) )بمعنى استمرارهم في الإعراض وعدم الإيمان

كما كانوا في الماضي، يقول أبو السعود: (بيان لاستمرار عدم إيما. م في الزمان الماضي

لا لعدم استمرار إيما. م، وترتيب حالتهم هذه على مجيء الرسل بالبينات بالفاء؛ لما أن

الاستمرار على فعل من الأفعال بعد ورود ما يوجب الإقلاع عنه، وإن كان استمرارا

(عليه في الحقيقة، لكنه بحسب العنوان فعل جديد ووضع حادث.) (1

.(وأفاد التوكيد باللام والكون زيادة منافا. م الإيمان (2

. (وأضاف حرف الجر(( من قبل ) )؛ لأن تكذيبهم غير مستغرق للزمن الماضي (2

ثم قال: (( كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ) )، وكأنه سؤال سئل هل يفعل

1)تفسير أبي السعود ح 3 ص 10

ذلك أحد؟ فأجيب نعم (1) . (( كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ) )، (والمعنى

: مثل ذلك الطبع الذي طبع الله على قلوب الكافرين الذين كتب الله عليهم أن لايؤمنوا

(أبدا.) (2

وأظهر لفظ الجلالة (( يطبع الله ) )دون الإضمار بطريق الالتفات، لما فيه من

.(تعظيم الطبع ورهبته، للتصريح بالاسم الجليل ليدل على أن الطبع لسبب الكفر (3

وجاء الطبع بلفظ الفعل المضارع، ليعم كل المعاندين في كل وقت وزمان، فإن

الطبع حاصل لهم كلما كذبوا وعاندوا، ولإحضار صور العناد والاصرار وعقوبتها في

الأذهان للتخويف منها، وطبع الله على قلوب المكذبين باستمرارهم في التكذيب رغم

الأدلة والبراهين ووضوحها أمامهم.

(وأل في(( الكافرين ) )للجنس، وقيد بالاستغراق، حتى تعم من ذكر وغيرهم (4

و عطفت جملة (( وما وجدنا لأكثرهم من عهد ) )على جملة (( ولقد جاء. م رسلهم

)) وما رتب عليها من قوله: (( فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ) )للإشارة إلى تمكن

يريد الوفاء:. الكفر في قلو. م (5) . فإن المقصود من الآية أقوال: الأول: لابن عباس

بالعهد الذي عاهدهم الله وهم في صلب آدم حيث قال: (( ألست بربكم قالوا بلى شهدنا

)) ، فلما أخذ الله منهم هذا العهد، وأقروا به، ثم خالفوا كأنه ماكان لهم عهد.

العهد هنا الإيمان، والدليل عليه قوله: (( إلا من:. والثاني: قول ابن مسعود

اتخذ عند الرحمن عهدا )) (مريم 87) ، يعني آمن وقال: لا إله إلا الله.

والثالث: أن العهد عبارة عن وضع الأدلة الدالة على صحة التوحيد والنبوة،

، (وعلى هذا التقدير فالمراد(( وما وجدنا لأكثرهم من عهد ) ): الوفاء بالعهد.)(1

والذي يظهر أن معاني العهد التي ساقها الإمام الرازي ترجع إلى شيء واحد، وهو المعنى

الأول فإن معنى العهد الثاني وهو قوله لا إله إلا الله هو معنى العهد الأول، الذي أخذه الله

1)ينظر نظم الدرر ح 3 ص 77

2)التفسير الكبير ح 14 ص 188

3)ينظر روح المعاني ح 9 ص 16

4)ينظر التحرير والتنوير ح 9 ص 32

على بني آدم وهم في عالم الذر، وهو الغاية والمقصود من التذكير به ببعث الرسل وإنزال

الكتب. ودلت اللام في (( لأكثرهم ) )مع الاستغراق في (( من عهد ) )على تغلغل

.(الكفر في قلوب الكافرين (2

ويرى الألوسي كما يرى الزمخشري قبله أن الجملة إلى (فاسقين) اعتراض لأنه

لا اختصاص له بما قبله، لكن لعمومه يؤكده.) (3) ، ويرى الطاهر بن عاشور أ. ا(إخبار

بأن عدم الوفاء بالعهد من أكثرهم كان منهم عن عمد ونكث، ولكون ذلك معنى زائدا

على ما في الجملة التي قبلها، عطفت ولم تجعل تأكيدًا للتي قبلها أوبيانا؛ لأن الفسق هو

عصيان الأمر، وذلك أ. م كذبوا فيما وعدوا عن قصد للكفر.) (4) ، ولعل زيادة المعنى في

الجملة الثانية، لايمنع أن تكون تأكيدا ولو كانت بيانا، وخصوصا أن فسقهم كذلك من

نقض العهد.

وفي كثرة المؤكدات وهي: إن واللام وحذف المبتدأ وهو ضمير الشأن؛ تنبيه على شأن

.(هذا الخبر عند السامعين (4

وبين قوله: (( وما وجدنا ) )، (( وإن وجدنا ) )جناس تام متماثل (1) . وهو

طباق بالسلب والإيجاب.

وعند مجاهد رحمه الله أن هذه الآية كقوله تعالى: (( ولو ردوا لعادوا لما. وا عنه

. ( ) ) ، فالمعنى ما كانوا لو أهلكناهم ثم أحييناهم ليؤمنوا، ففيه إيجاز) (2

(وذكر الطيبي: أنه إذا فسر الفاسقين بالتأكيد، يكون في الآية الطرد والعكس؛ وهو

أن يؤتى بكلامين يقرر الأول بمنطوقه مفهوم الثاني، وبالعكس.) (1) ، فمنطوقه أول

1)التفسير الكبير ج 14 ص 188

2)ينظر نظم الدرر ج 3 ص 77

3)روح المعاني ج 9 ص 17

4)التحرير والتنوير ج 9 ص 33

5)ينظر روح المعاني ج 9 ص 17

2)حاشية الشهاب ح 4 ص 337

الآية: (( وما وجدنا لأكثرهم من عهد ) )وهو نكثهم العهد مقرر لمفهوم الفسق،

وبالعكس.

وتكاملت آيات هذا القسم بتمام هذه الآية، وقد رجعت إلى أولها؛ وهو إهلاك القرى

لتكذيبها وإعراضها رغم إرسال الرسل، وهو قوله: (( وما أرسلنا في قرية من نبي إلا

أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا

وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهو لا يشعرون ))

وختم بالتنديد عليهم لنقضهم عهدهم الأول مع ر. م بتكذيبهم الرسل التي أرسلها

إليهم (( وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ) ).

(المبحث الأول)

التشبيه.

ونأتي على ما جاء في السورة منه حسب ترتيبه فيها ومنه:

.(( (قوله تعالى: (( كما بدأكم تعودون (29

فقد شبه هنا الإعادة في الخلق ببدئه، يقول الطاهر بن عاشور: (فالكاف في قوله

: (( كما بدأكم تعودون ) )لتشبيه عود خلقهم ببدئه و (ما) مصدرية والتقدير:

تعودون عودًا جديدًا كبدئه إياكم، فقدم المتعلق الدال على التشبيه، على فعله،

وهو (تعودون) ، للاهتمام به.) (1) ، وغرض التشبيه تقريب الإعادة للأذهان، وللإشارة إلى

أن البعث بعد الموت يسير على الذي بدأ الخلق بعد العدم، وهو من التشبيه المفرد. واقع

أحسن موقع، وأصاب شاكلة المعنى بإيجاز شديد وقطع الحجة وأفحم الخصم بأوجز ما

(يكون من البيان. (2

قوله تعالى: (( يسألونك عن الساعة أ. يان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا

.يجلِّيها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتًة يسألونك كأنك

حف. ي عنها )) .

بحال الباحث. في قوله: (( يسألونك كأنك حف. ي عنها ) )شبه حاله عندهم

المعتني. ا، جاء في جامع البيان: (كأنك قد استحفيت المسألة عنها فعلمتها.) (3) ، وفي

الكشاف يقول الزمخشري: (كأنك عالم. ا، و حقيقته: كأنك بليغ في السؤال عنها

، لأن من بالغ في المسألة عن الشيء، والتنقير عنه استحكم علمه فيه ورصن، وهذا

التركيب معناه المبالغة، ومنه: إحفاء الشارب، واحتفاء البقل: استئصاله، وأحفى في

، (المسألة إذا ألحف.) (4) ، وقال الألوسي: (مشبها حالك عندهم بحال من هو حفي.) (1

وهذا التشبيه من المفرد كذلك.

1)التحرير والتنوير ج 8 ص 89

2)من إضافة المشرف الأستاذ / د. محمد أبو موسى

3)جامع البيان ج 9 ص 141

4)الكشاف ج 2 ص 184 / وينظر التفسير الكبير ج 15 ص 82

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت