فهرس الكتاب
ومن التشبيه البليغ قوله تعالى: (( وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ) ).
فقد شبه رسم حدقات أعين الأوثان وهي متوجهة إلى ناظريها وكأ. ا تنظر،
بالرجل المبصر الذي ينظر ويشاهد من أمامه، للدلالة على إتقان الصورة وكأ. ا تنظر إلى
رائيها، يقول الزمخشري:(يشبهون الناظرين إليك، لأ. م صوروا أصنامهم بصورة من
قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليه) (2) ، ويقول الطاهر بن عاشور: (ومعنى(ينظرون
إليك)على التشبيه البليغ؛ أي: تراهم كأ. م ينظرون إليك، لأن صور كثير من
الأصنام كان على صور الأناسي، وقد نحتوا لها أمثال الحدق الناظرة إلى الواقف
أمامها.) (3) ، وغرض التشبيه تقرير حقيقة صوريتها، وخلوها عن معنى الفعل والتأثير
فض ً لا عن إلهيتها، وقوله سبحانه وتعالى: (وتراهم) يؤكد قوة المشا. ة وكأنك تراهم
بعينك وهم ينظرون إليك وأن القوم أتقنوا نحت هذه الآلهة و أنطقوا الحجارة وبلغوا في
(ذلك مبلغًا.(4
وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت )):. وقوله
سحابًا ثقا ً لا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج
.(( (الموتى لعلكم تذكرون (57
وفي هذا التشبيه (( كذلك نخرج الموتى ) )تفصيل بالتمثيل لطريقة
الإعادة للخلق التي في التشبيه الأول، يقول الإمام الطبري:(مث ٌ ل. ضر. به الله تعالى
للمشركين من عبدة الأصنام المكذبين بالبعث بعد الممات.) (5) ، ويقول الشهاب:(
هو تمثيل وتقريره أ. نا ب. ينا تلك الآيات الدالة على القدرة والعلم لعلكم تتفكرون فيها
فتعلمون أنكم إلينا ترجعون.) (6) ، وهذا التمثيل لتصوير البعث في الأذهان بمثل
1)روح المعاني ج 9 ص 134
2)الكشاف ج 2 ص 189
3)التحرير والتنوير ج 9 ص 225
4)من إضافة المشرف الأستاذ/ د. محمد أبو موسى
5)جامع البيان ج 8 ص 210
6)حاشية الشهاب ج 4 ص 298
محسوس من الحياة، وهو الإنبات بالمطر، وصيرورة الأرض
الميتة بالجدب إلى
الحياة بالخضرة، وكذلك خروج الناس من قبورهم بالماء الذي يمطره الله عليهم
فتنبت به أجسادهم بعدما بليت من عجب الذنب كما في الحديث الشريف.
قوله تعالى: (( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا
)) هو كذلك مثل لصورة الإحياء القلبي بالهداية و نور الإيمان والمعرفة بالله ورسوله،
فالمؤمن في نقاء قلبه، وتشربه باليقين ونوره كالأرض الطيبة التربة الخالية من الأقذار
والأوساخ، والكافر المعرض في مرض قلبه وتكدره بظلمات الإعراض عن الآيات
كالأرض السبخة التي لا تقبل الماء، و لا تنبت النبات، جاء في جامع البيان عن الآية:
(البلد الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه مثل للمؤمن، والذي خبث لا يخرج إلا نكدا مثل
للكافر.) (1) ، وقال الشهاب متابعًا كلامه بعد تعليقه على التشبيه السابق: (لكن لا تنجع
تلك الآيات إلا فيمن شرح الله صدره فيخرج نبات فكره طيبًا، ومن جعل صدره ضيقًا
(لا يخرج إلا خبيثا فلا يرفع لها رأسا.) (2
والتشبيه في هذه الآيات معجب ومقرب للمعنى المراد للأذهان أيما تقريب؛ لأنه
جعل له مثلا مشاهدا ملموسًا محسوسًا من الحياة يتجدد أمام الأعين كل يوم، وخصوصًا
أنه جمع بين المتباعدات و المتناقضات كالموت والحياة.
وعند الإمام عبد القاهر الجرجاني لمثل هذا التشبيه وزن وقيمة، يقول عنه: (
فالعلم المستفاد من طريق الحواس أو المركوز فيها من جهة الطبع وعلى حد الضرورة،
(يفضل المستفاد من جهة النظر والفكر في القوة والاستحكام.) (3
وقال في موضع آخر عن تأليفه بين المتناقضات المتباعدات:(إنه يختصر بعد ما
بين المشرق والمغرب ويجمع بين المشئم و المعرق، ويريك للمعاني الممثلة بالأوهام شبها في
الأشخاص الماثلة والأشباح القائمة، وينطق لك الأخرس ويعطيك البيان من الأعجم
1)جامع البيان ج 8 ص 211
2)حاشية ا لشهاب ج 4 ص 298
3)أسرار البلاغة ص 109
ويريك الحياة في الجماد، ويريك التئام عن الأضداد فيأتيك بالحياة والموت مجموعين،
(والماء والنار مجتمعين.) (1
قوله تعالى: (( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان
فكان من الغاوين، ولو شئنا لرفعناه. ا ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل
الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث )) .
وقوله تعالى: (( فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ) )
تشبيه تمثيلي حالة بحالة؛ شبه حال المنسلخ من الآيات في الخسة والدناءة بدوام اتباعه هواه
بحال الكلب في لهثه الدائم سواء شدد عليه أو ترك و أهمل، يقول الزمخشري:(فصفته
التي هي مثل في الخسة و الضعة كصفة الكلب في أخس أحواله وأذلها، وهي حال دوام
اللهث به واتصاله، سواء حمل عليه أي: ش. د عليه وهيج فطرد أو ترك غير متعرض له
بالحمل عليه، وذلك أن سائر الحيوان لا يكون منه اللهث إلا إذا هيج منه وحرك، و إلا
لم يلهث، والكلب يتصل لهثه في الحالتين جميعًا.) (2) ، وزاد الرازي بذكر قيمة القيد
الذي جاء في التشبيه، وهو التشبيه بأخس الحيوانات وهو الكلب وليس أي حيوان،
يقول: (واعلم أن هذا التمثيل ما وقع بجميع الكلاب، وإنما وقع بالكلب اللاهث،
وأخس الحيوانات هو الكلب، وأخس الكلاب هو الكلب اللاهث، فمن آتاه الله العلم
(والدين فمال إلى الدنيا وأخلد إلى الأرض كان مشبها بأخس الحيوانات.) (3
ويرى البيضاوي والشهاب أن التشبيه بالكلب تشبيه صفة بصفة لا تشبيه حالة
بحالة، وإن كان يحمل على المثل لاعتبار ذكر اللهث وهو حالة مكروهة مستشبعة، يقول
الشهاب في تعليقه على كلام البيضاوي: (فصفته التي هي مثل في الخسة(كمثل
الكلب)في أخس أحواله.) (4) يقول الشهاب:(والمثل كما مر الصفة لا الحال والقصة،
1)أسرار البلاغة ص 102
2)الكشاف ج 2 ص 178
3)التفسير الكبير ج 15 ص 56
4)تفسير البيضاوي ج 4 ص 404
ليقطع بأنه من تشبيه المركب بالمركب، بل الظاهر أنه تشبيه لصفته بصفة الكلب أو
لنفسه بنفس غاية الخسة و الذلة، وذكر اللهث في كل حال لاختصاصه به، ولأنه
حال مستبشعة مكروهة، لكن قد يفهم من جعل الشرطية حا ً لا من الكلب قيدًا في
، (التشبيه به أن التشبيه مركب، وكذا قول المصنف رحمه الله التمثيل قد يشير إليه.) (1
ويرى الطاهر بن عاشور أن التشبيه في الآية مثل مركب من متعدد في المشبه والمشبه به،
وهو بين معقول ومحسوس، واستدرك به على المفسرين، ومنهم الكشاف في أ. م جعلوه
تشبيها بسيطًا حالة بحالة واحدة، وهي التشويه والخسة وكفى. ودلل على رأيه بالقيد
المذكور في الآية: (( إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ) )حيث يقول: (فهذا تشبيه
تمثيل مركب منتزعة فيه الحالة المشبهة، والحالة المشبهه. ا من متعدد.
ويشبه الضال بالكلب، ويشبه شقاؤه واضطراب أمره في مدة البحث عن الدين
بلهث الكلب في حالة تركه في دعة، تشبيه المعقول بالمحسوس، ويشبه شقاؤه في إعراضه
عن الدين الحق عند مجيئه بلهث الكلب في حالة طرده وضربه تشبيه المعقول بالمحسوس،
وقد أغفل هذا الذين فسروا هذه الآية فقرروا التمثيل بتشبيه حالة بسيطة بحالة بسيطة في
مجرد التشويه أو الخسة، فيؤول إلى أن الغرض من تشبيهه بالكلب إظهار خسة المشبه،
كما درج عليه الكشاف، ولو كان هذا المراد لما كان لذكر (( إن تحمل عليه يلهث أو
تتركه يلهث )) كبير جدوى بل يقتصر على أنه لتشويه الحالة المشبه. ا لتكتسب الحالة
المشبهة تشويها، وذلك تقصير في حق التمثيل.) (2) ، وعلى هذا يكون رأي الشهاب
عنده مفضولا من باب أولى.
وهذا التشبيه قال عنه الطاهر أنه من مبتكرات القرآن (3) .فإن الجمال والابتكار
ظاهر فيه من جهة أنه تشبيه بالمحسوس، وسبق سوق قول الإمام عبدالقاهر في بيان
قيمتة (4) ، ومن جهة أخرى لأن الآية الكريمة صورت حالة المنسلخ بالحركة والصورة،
1)حاشية الشهاب ج 4 ص 405
2)التحرير والتنوير ج 9 ص 178
3)التحرير والتنوير ج 9 ص 177
4)أسرار البلاغة ص 164