الصفحة 116 من 129

وهو أعجب و أوقع من إغفالهما، يقول الإمام عبدالقاهر: (و اعلم أن مما يزاد به

(التشبيه دقة وسحرا أن يجيء في الهيآت التي تقع عليها الحركات.) (2

وهذا أظهر صور التشبيه في السورة، وهو يدور أكثره حول البعث وسياق دليله

، وتصوير حال المؤمن والكافر، وتصوير الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها.

(المبحث الثاني)

ا. از المرسل.

كثر ا. از المرسل في السورة، وإن قلت علاقاته، وتعمقت معاني تراكيبه،

وامتدت دلالا. ا، وهو لون بلاغي قائم على الإيجاز وحذف زوائد الكلام، وطي

تفريعاته، والإبقاء على أصوله ورؤوسه (1) . ومن فوائده العامة الاتساع والزيادة في

اللغة (1) ، فهو قائم على الإيجاز، ومؤاده الاتساع.

وكان أكثر من ينبه عليه ويجليه الشهاب الخفاجي والألوسي، وأكثر منهما الطاهر

بن عاشور، وقد سبقت الإشارة إلى كثير من صوره في المباحث السابقة، ونشير هنا إلى

تصنيفات للمجازات الواردة في السورة، مع إشارات إلى شيء من دلالا. ا، ونذكر هنا

بعضًا من تلك العلاقات، وتركنا بعضًا منها دون تحديد علاقات ا. از المرسل،

.(وخصوصًا أن الشيخ عبد القاهر لم يحاول تحديد علاقات معينة للمجاز (2

ومن العلاقات الواردة في السورة:

علاقة السببية:

وقد جاء منها في السورة قوله تعالى: (( فعقروا الناقة ) )، أطلق العقر، وهو

كشف عرقوب البعير، وأراد النحر، لعلاقة السببية، للدلالة على هلاكهم بمخالفتهم

أوامر ر. م بمجرد العقر، يقول الرازي: (والعقر عند العرب كشف عرقوب البعير، ولما

(كان العقر سببًا للنحر أطلق العقر على النحر إطلاقًا لاسم السبب على المسبب.) (3

علاقة المسببية:

وهي كثيرة في القرآن الكريم، وكذا في سورة الأعراف، ومجاز السببية سره

.(البلاغي العام تقوية الأثر والسبب بطيه في المسبب، حتى. يرى ظاهرا وحده دون سببه (4

ومما جاء من الآيات فيه بعلاقة المسببية قوله تعالى: (( وكم من قرية أهلكناها ) )

أي: أردنا إهلاكها، لأن الإهلاك متسبب عن الإرادة. يقول الزمخشري: (والإهلاك إنما

، (هو بعد مجيء البأس ... معناه: أردنا إهلاكها، كقوله:(( إذا قمتم إلى الصلاة ) )) (5

وقال الطاهر: (والذي فسر به الجمهور أن فعل(أهلكناها) مستعمل في إرادة الفعل

1)ينظر التصوير البياني ص 222

2)ينظر أسرار البلاغة ص 400

3)التفسير الكبير ج 14 ص 165

4)ينظر التصوير البياني ص 362

5)الكشاف ج 2 ص 87

، كقوله تعالى: (( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) )،وقوله: (( إذا

قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم )) ا لآية، أي: فإذا أردت القراءة، وإذا أردتم القيام

إلى الصلاة، واستعمال الفعل في معنى إرادة وقوع معناه من ا. از المرسل عند

. (السكاكي.) (1

والسر البلاغي في ذكر الإهلاك؛ حصوله يقينا لا محالة إن أراده الله بدون تأخر،

يقول الطاهر:(والتعبير عن إرادة الفعل بذكر الصيغة التي تدل على وقوع الفعل يكون

لإفادة عزم الفاعل على الفعل، عزمًا لا يتأخر عنه العمل، بحيث يستعار اللفظ الدال على

حصول المراد للإرادة لتشا. ما.) (2) ، ويقول الدكتور محمد أبو موسى: (ولما كان الحدث

(يترتب عادة على إرادته صح أن يعبر بالحدث عن الإرادة، وتصير الإرادة فع ً لا.) (2

وقوله تعالى: (( وشهدوا على أنفسهم أ. م كانوا كافرين ) ).

أطلق الشهادة وأراد اعترافهم بالظلم، وندمهم وتحسرهم عليه لعلاقة المسببية،

للدلالة على شدة تحسرهم، وتندمهم بعد معاينتهم الحق، يقول الألوسي: (وليس في

(النظم ما يدل على أن اعترافهم كان بلفظ الشهادة، فالشهادة مجاز عن الاعتراف.) (3

قوله تعالى: (( ثم استوى على العرش ) ).

ذكر ابن جرير الطبري أقوالا في معنى الاستواء بمعنى الإقبال والعلو والارتفاع

والاجتياز والاستيلاء (4) ، وقال البيضاوي موجزًا في جمع هذه الأقوال التي ذكرها ابن جرير

:(استوى أمره أو الذي عناه مترها عن الاستقرار و التمكن، والعرش الجسم المحيط

بسائر الأجسام سمي به لارتفاعه أو للتشبيه بسرير الملك، فإن الأمور والتدابير تتنزل منه

، وقيل: الملك.) (5) ومذهب أهل السنة أن الاستواء معلوم والكيف مجهول والايمان به

واجب، والسؤال عنه بدعة.

وبعض البلاغيين جعلوه في باب الكناية.

1)التحرير والتنوير ج 8 ص 20

2)التصوير البياني ص 362

3)روح المعاني ج 8 ص 115

4)ينظر جامع البيان / والتفسير الكبير ج 14 ص 117

5)تفسير البيضاوي ج 4 ص 291

قوله تعالى: (( فظلموا. ا ) ).

عبر عن الكفر بالظلم لأنه حالهم وخلقهم الذي اعتادوا وعرفوا به، فقد أطلق

الظلم وأراد الكفر لعلاقة المسببية، و السر البلاغي؛ التنفير من الظلم بكل أنواعه

ودرجاته. يقول الألوسي: ( ... لما كان هو و الكفر من واد واحد عدي تعديته، أو هو

. (بمعنى الكفر مجازًا أو تضمينا.) (1

قوله تعالى: (( فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ) ).

الانقلاب مجاز عن الرجوع، أطلق الانقلاب وهو بمعنى الصيرورة والرجوع،

وأراد الهزيمة، والسر البلاغي، الدلالة على ألم المفاجأة بالهزيمة وحرارة غيظها، يقول أبو

. (حيان:(الانقلاب مجاز عن الصيرورة لظهور المناسبة بينهما، أو بمعنى الرجوع) (2

.(( (قوله: (( ليسكن إليها (190

أطلق السكن وأراد الميل والتآلف، لعلاقة المسببية، والسر البلاغي؛ الدلالة على

شدة الحاجة إليها والألفة. ا، يقول الطاهر: (والسكون مجاز في الاطمئنان والتآنس،

(أي: جعل من نوع الرجل زوجه ليألفها ولا يجفو قر. ا، ففي ذلك منة الإيناس. ا.) (3

علاقة اللزوم:

ومما جاء فيها قوله تعالى: (( فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا(44 ) )) وهو هنا مجاز

مرسل في الاستفهام، أطلق السؤال الحقيقي وأراد به تحسيرهم وتنديمهم وتوقيفهم على

غلطهم لعلاقة اللزوم، يقول الطاهر بن عاشور: (والاستفهام في جملة (( فهل وجدتم ما

وعد ربكم حقًا )) مستعمل مجازا مرسلا بعلاقة اللزوم في توقيف المخاطبين على غلطهم

وإثارة ندامتهم وغمهم على ما فرط منهم، والشماتة. م في عواقب عنادهم. والمعاني

1)روح المعاني ج 9 ص 17

2)البحر المحيط ج 4 ص 364

3)التحرير والتنوير ج 9 ص 211

ا. ازية التي علاقتها اللزوم يجوز تعددها مثل الكناية، وقرينة ا. از هي ظهور أن أصحاب

(الجنة يعلمون أن أصحاب النار وجدوا وعده حقا.) (1

.(( (وقوله تعالى كذلك: (( آمنتم له (123

أطلق الاستفهام حقيقة وأراد توبيخهم وتخويفهم، يقول الطاهر: (الاستفهام في

(آمنتم له) للإنكار والتهديد مجازا مرسلا مركبا و الإخبار مستعمل كذلك أيضا لظهور

أنه لا يقصد حقيقة الاستفهام ولا حقيقة الإخبار لأن المخاطبين صرحوا بذلك

(وعلموه.) (2

وقد جاءت بعض التراكيب ا. ازية تحتمل الحقيقة وا. از، أو ا. از والكناية.

فمما جاء محتملا ا. از والحقيقة:

قوله تعالى: (( فأخرجنا به من كل الثمرات(57 ) ))، فالثمرات يمكن أن تكون

حقيقية في الأشجار ويمكن أن تكون مجازية إذا أراد النبات وحبوبه. يقول البقاعي:(

الثمرات على الحقيقة في الأشجار، ومجازية من النبات و حبوبه.) (3) والسر البلاغي هو

الدلالة على عموم الانتفاع بالحبوب والنبات مثل ثمر الأشجار.

وقوله تعالى: (( قالوا بلى ) )

إما على الحقيقة وإما مستعارًا لتشبيه اعترافهم بربوبيتهم لله تعالى كأ. م قالوا بلى،

يقول الطاهر: (وأطلق القول إما حقيقة فذلك قول خارق للعادة، وإما مجازًا على دلالة

(حالهم على أ. م مربوبون لله تعالى.) (4

ومما جاء محتملا ا. از والحقيقة:

.(( (قوله تعالى: (( لو شئت أهلكتهم(155

1)التحرير والتنوير ج 8 ص 136

2)التحرير والتنوير ج 9 ص 53

3)نظم الدرر ج 3 ص 45

4)التحرير والتنوير ج 9 ص 168

فإن (لو) يجوز أن تكون في معناها الحقيقي، وهو الامتناع ويجوز أن تخرج إلى

.. معنى مجازي وهو التمني، أي: ليتك أهلكتهم للدلالة على ضجره وغضبه الشديد

يقول الطاهر: (( لو) في قوله: (لو شئت أهلكتهم) يجوز أن تكون مستعمله في التمني

وهو معنى مجازي ناشيء من معنى الامتناع الذي هو معنى (لو) الأصلي ومنه قول المثل:

(لو ذات سوار لطمتني) إذ تقدير الجواب: لو لطمتني لكان أهون علي، وقد صرح

بالجواب في الآية وهو (( شئت أهلكتهم ) )أي: ليتك أردت إهلاكهم، أي: السبعين

(الذين معه.) (1

قوله تعالى: (( ويبغو. ا عوجا ) )

أطلق عوجًا وهو ضد الاستقامة وأراد النقص والمعائب والظلم والظلمات لعلاقة

المسببية، والسر البلاغي التنبيه على قصد أهل الباطل في الاعوجاج والإفساد في كل شيء

، يقول الطاهر: (العوج ضد الاستقامة، وهو بفتح العين في الأجسام، وبكسر العين في

المعاني، و أصله أن يجوز فيه الفتح والكسر ولكن الاستعمال خصص الحقيقة

بأحد الوجهين، وا. از بالوجه الآخر، وذلك من محاسن الاستعمال،

فالإخبار عن السبيل ب (عوج) إخبار بالمصدر للمبالغة، أي: ويرومون ويحاولون

(إظهار هذه السبيل عوجاء.) (2

ومما جاء محتم ً لا ا. از والاستعارة:

قوله تعالى: (( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) )، (نصيبهم) إما أن يكون

استعارة بتشبيه النصيب بشخص يجري وراءهم وهم يفرون منه، وإما أن يكون مجازا

مرسلا عن مطلق الإصابة حيث أطلق النيل وهو إصابة الإنسان شيئًا لنفسه بيده وأراد

مطلق الإصابة، والسر البلاغي الإشارة على الإيفاء والتمام. يقول الطاهر:(أصل النيل

إصابة الإنسان شيئًا لنفسه بيده ... فتعين أن يكون هذا إما مجازا مرسلا في معنى مطلق

1)التحرير والتنوير ج 9 ص 125

140 -2) التحرير والتنوير ج 8 ص 139

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت