الصفحة 119 من 129

استعار الفتح للبركات تشبيها لها بالبيوت، للدلالة على السعة وكثرة الانتفاع.

يقول الطاهر: (وتعدية فعل الفتح إلى البركات استعارة مكنية، بتشبيه البركات بالبيوت

(في الانتفاع بما تحتويه.) (1

وألقي )):. ومما كان حوله الخلاف من الاستعارات وتعددت الآراء في تصنيفها قوله

السحرة ساجدين )) .

استعير الإلقاء لسرعة استجابتهم وسجودهم لر. م، أو أنه تمثيل حيث شبه حالة

إسراعهم بالذي يلقيه غيره، وإن كان الذي رأى الرأيين هنا في الآية واحدًا وهو الشهاب

الخفاجي يقول: (لا إلقاء هنا، لكنه تجوز به عنه لأن ظهور الحق ألجأهم إلى ذلك

واضطرهم إليه، حتى كأن آخر دفعهم فألقاهم، فهو استعارة، و. رهم بمعنى غلبهم،

أو أن الله ألقاهم بإلهامهم لذلك فالملقي هو الله لينعكس أمر فرعون، أو المراد أسرعوا

كالذي يلقيه غيره، والاستعارة تبعية أو هو تمثيل، ويصح أن يكون مشاكلة لما معه من

. (2) (( إلقاء كما ذكره في الشعراء وهو قوله: (( فألقي السحرة ساجدين ) )(آية 46

ومنها وهو من الاستعارات الفريدة المعجبة قوله تعالى: (( ولما سكت عن موسى

الغضب )) .

استعار السكوت لذهاب الغضب حيث شبه الغضب بالشخص يأمره ويغويه، يقول

عنها الزمخشري:(هذا مثل، كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول له: قل

لقومك كذا.) (3) ، وقال الشهاب عنها ونقل رأي السكاكي والزجاج فيها:(شبه

الغضب بشخص آمر ناه، فهو استعارة مكنية، وأثبت له السكوت على طريق التخييل،

وقال السكاكي أنه استعارة تبعية حيث شبه سكون الغضب، وذهاب حدته بسكوت

الآمر الناهي، والغضب قرينتها، وقيل مراد الزمخشري: تمثيل حال سكون الغضب بحال

سكوت الناطق الآمر الناهي، ومرجعه إلى كون الغضب استعارة بالكناية عن الشخص

الناطق والسكون استعارة تصريحية لسكون هيجانه، وغليانه فتكون مكنية قرينتها

1)التحرير والتنوير ج 9 ص 82

2)حاشية الشهاب ج 4 ص 347

1)الكشاف ج 2 ص 163

تصريحية لا تخيلية، ويحتمل أن تكون تبعية بناء على جوازه عنده وقال الزجاج: مصدر

سكت الغضب السكتة ومصدر سكت الرجل السكوت، وهذا يقتضي أ. ا يكون سكت

.(الغضب فع ً لا على حدته (1

وأضاف الشهاب أنه قيل: أن هذه الاستعارة من تشبيه القلب، وأن أصل الآية:

عن الغضب، وقد رده لأنه يذهب سر ا. از ودلالته ويحوله إلى. ولما سكت موسى

من الغضب ولا وجه. حقيقة يقول:(وقيل: هذا من القلب، وتقديره: سكت موسى

له.) (2) ، ورده كذلك ابن المنير في حاشيته على الكشاف وهو يعلق على الآية، ورد على

من سلكه واعتبره من قولهم: خرق الثوب المسمار، يقول: (وعده بعض أهل العربية من

المقلوب، وسلكه في نمط خرق الثوب المسمار. والتحقيق أنه ليس منه، وأن هذا القلب

أشرف وأفصح لأنه بماله على معنى بليغ: وهو أن الغضب كان متمكنا من موسى حتى

كان كأنه يصرفه في أوامره، وكل ما وقع منه حينئذ فعن الغضب صادر. حتى كأنه هو

الذي أمره به: ومثل هذه النكتة الحسناء لا تلغى في خرق الثوب المسمار، بل هي

(موجودة في قوله تعالى:(( حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق ) ).) (2

(المبحث الرابع: الكناية)

وردت في السورة كنايات قليلة بالنسبة للاستعارة، وتتفاوت أحيانًا بين الكناية

والاستعارة، وتقبل أن تكون منها.

.(( (ومما جاء منها قوله تعالى: (( وما كنا غائبين (7

كناية عن عدم العلم والحضور، فإن الغائب ضد الحاضر، يقول الطاهر: (

والغائب ضد الحاضر، وهو هنا كناية عن الجاهل، لأن الغيبة تستلزم الجهالة بأحوال

المغيب عنه، فإ. ا ولو بلغته بالأخبار لا تكون تامة عنده مثل المشاهد أي: وما كنا

جاهلين بشيء من أحوالهم لأننا مطلعون عليهم، وهذا النفي للغيبة مثل إثبات المعية في

(. (قوله تعالى:(( وهو معكم أينما ما كنتم ) )(3

1)حاشية الشهاب ج 4 ص 378 وينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 122

2)الكشاف ج 2 ص 163

28 -3) التحرير والتنوير ج 8 ص 27

وقوله: (( إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ) ).

كناية عن ترقب زوال استعباد فرعون إياهم، فإن وراثة الأرض وتملكها يلزم منه

نصر. م على فرعون، وزوال استعباده لهم عنهم. يقول الطاهر: (((إن الأرض لله ) )

كناية عن ترقب زوال استعباد فرعون إياهم، قصد منها صرف اليأس عن أنفسهم

الناشيء عن مشاهدة قوة فرعون وسلطانه، بأن الله الذي خوله ذلك السلطان قادر على

نزعه منه، لأن ملك الأرض كلها لله فهو الذي يقدر لمن يشاء ملك شيء منها وهو الذي

(يقدر نزعه.) (1

.(( (قوله تعالى: (( أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا (44

إخبارهم عن حالهم كناية عن حالهم من الفرح بالنعيم الذي لا يوصف والتنغيص

على أعدائهم بأ. م قد دخلوا جنة ر. م، يقول الطاهر: (هذه الكناية جمع فيها بين المعنى

الصريح والمعاني الكنائية، ولكن المعاني الكنائية هي المقصودة، إذ ليس القصد أن يعلم

(أهل النار بما حصل لأهل الجنة، ولكن القصد ما يلزم من ذلك.) (2

ومما جاء محتم ً لا الكناية وا. از:

.(( (قوله تعالى: (( لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16

القعود كناية عن الملازمة والتربص والترصد، وتصح أن تكون مثلا، يقول

الزمخشري: (هذا مثل لوسوسته إليهم، وتسويله ما أمكنه وقدر عليه.) (3) ، وقال أبو

حيان: (الظاهر أن إتيانه من هذه الجهات الأربع كناية عن وسوسته وإغوائه والجد في

، (إضلاله من كل وجه يمكن.) (4) . وذكر الشهاب الخفاجي الوجهين السابقين(5

2)التحرير والتنوير ج 9 ص 60

2)التحرير والتنوير ج 8 ص 136

3)الكشاف ج 2 ص 93

4)البحر المحيط ج 4 ص 276

5)ينظر حاشية الشهاب ج 4 ص 258

وكذا أبو السعود (1) ، وذكر الطاهر وجها للكناية؛ وهو أن الملازمة للمكان تستلزم

القعود دفعا للإعياء والتعب، يقول:(ووجه الكناية هو أن ملازمة المكان تستلزم الإعياء

من الوقوف عنده، فيقعد الملازم طلبا للراحة.) (2) وقد دلت الكناية على حرص إبليس

اللعين على إغواء بني آدم بكل وسيلة وفي كل حركة وسكنة بلا توقف.

. (( (بين يدي رحمته(57 ) ):. قوله

وهو كناية عن قرب نزول المطر، وذهب العلماء في توجيه هذه الكناية مذاهب،

وتباينت آراؤهم في استلهام سرها ومعناها، وتصنيفها بين الكناية وا. از، فقد جاء في

جامع البيان:(اليدان تستعملها العرب في معنى التقدمة على سبيل ا. از، يقال: إن

الفتن تحدث بين يدي الساعة يريدون قبلها.) (3) ، وزاد الرازي:(والسبب في حسن

هذا ا. از أن يدي الإنسان متقدماته، فكل ما يتقدم شيئًا يطلق عليه لفظ اليدين على

سبيل ا. از لأجل هذه المشا. ة، فلما كانت الرياح تتقدم المطر لا جرم عبر عنه. ذا اللفظ

4)، وأبان أبو حيان عن نوع ا. از في الآية وقال إنه من الاستعارة، يقول عن الآية) (.

: (من مجاز الاستعارة، إذ الحقيقة هو ما بين يدي الإنسان من الإجرام.) (5) ، ورأى

الطاهر أن الآية كناية، وهي في معناها الصريح ولشهر. ا جعلت كالصريح، يقول: (

وأصل معنى قولهم: بين يدي فلان، أنه يكون أمامه بقرب منه، ولذلك قوبل بالخلف في

قوله تعالى: (( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) )فقصد قائله الكناية عن الأمام، وليس

صريحًا، حيث أن الأمام القريب أوسع من الكون بين اليدين، ثم لشهرة هذه الكناية،

وأغلبية موافقتها للمعنى الصريح جعلت كالصريح، وهو كذلك. يسوغ أن تكون مجازا،

(كسابقيه، يقول:(وساغ أن تستعمل مجازا في التقدم والسبق القريب.) (6

1)ينظر تفسير أبي السعود ج 2 ص 483

2)التحرير والتنوير ج 8 ص 47

3)جامع البيان ج 8 ص 210 وينظر التفسير الكبير ج 14 ص 140

4)التفسير الكبير ج 14 ص 140

5)البحر المحيط ج 4 ص 316

6)التحرير والتنوير ج 8 ص 180

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت