الصفحة 47 من 129

والوحي العظيم، التي جاء ذكرها في قوله تعالى في الأعراف: (( هذا بصائر من ربكم

.(( (وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (203

الفصل الثالث

العلاقات في السورة

ونحاول هنا التقاط ما يمكن التقاطه مما يلوح من العلاقات التي بين آيات السورة

ليظهر لنا إعجاز السورة في الحبكة والسبك و التآلف والتلاحم الذي بين آيا. ا، وتماسك

أجزائها، ودلالة أولها على ثانيها، وعود وثانيها على أولها، واعتلاق خاتمتها بمطلعها،

ودلالة مطلعها على خاتمتها، وقد تعرض لهذه الناحية بالتبيين والدراسة الإمامان

الجليلان البقاعي والسيوطي وكشفا عن علاقات الخاتمة بالمطلع على الأخص، وزاد

البقاعي الإشارة إلى علاقات بعض الآيات في أواسط السورة من غير الخاتمة والمطلع،

وقدوجدت الدراسة أن كثيرًا من الجزئيات المكونة للسورة يرجع بعضها إلى بعض،

وبطول النظر والتأمل فيها تبين أن نوعا من التآخي الظاهر بين الآيات والجمل والجزيئات

المكونة للسورة، فقد ترد الآية في منتصف السورة، وهي شديدة الصلة بآية نظيرة في

أول السورة. بل تبين أن ما بعد القصص تلاقى في كل آياته مع آيات ما قبل القصص،

وربما بدت هذه التواصلات في صعود تدريجي إلى أن تواصلت الآيات الأخيرة في الخاتمة

بالأولى الفواتح في المطلع، وقد كانت هذه العلاقات شبكة ملتفة الروابط، وهي ظاهرة

بين أجزائها؛ ما قبل القصص والقصص وما بعد القصص، فأحيانًا مثلا تكون آية فيما

قبل القصص ولها ارتباط بالقصص كلها، كآية: (( قل إنما ح. رم ربي الفواحش ما ظهر

منها وما بطن (33 ) ) )، وآية: (( والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ) )، أو أ. ا فيما بعد

القصص وترتبط بالقصص كلها كآية (( من يهد الله فهو المهتدي ) ). و أحيانًا يكون

الاعتلاق والتشابك بين سياقات كاملة بين آيات السورة، فالآية ربما ارتبطت بآية

أخرى في سياقها بأكمله، كآية: (( ولقد ذرأنا لجهنم ) )، وآية: (( والذي خبث لا

يخرج إلا نكدا )) ودلَّ هذا على أن السورة ذات طابع واحد وسمت واحد؛ لأن معانيها

يرد بعضها إلى بعض.

ولوحظ أن ما تلاقى فيما بعد القصص مع آيات القصص من جهة كمالات الأنبياء

عليهم الصلاة والسلام ودفاعهم عن أنفسهم. ا هو آية واحدة في كمال سيدهم وخاتمهم

وهي قوله تعالى: (( أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير،. محمد

مبين (184 ) ) )، ويلاحظ أن الدفاع فيها عن كماله عليه الصلاة والسلام دفاع إلهي، لا

كما هو في سائر خطابات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مثل قول. على لسانه هو

يا قوم ليس بي )):. يا قوم ليس بي ضلالة )) ، وكقول هود )):. نوح

سفاهة )) .

و كذا من جهة أخرى يلاحظ استغراق النفي لوقوع النكرة (جنة) في سياق النفي

وآية هود،. ولم تأت (من) هذه في آية نوح،. في قوله (من جنة) في آية محمد

وجاهه الأرفع عنده على من سواه. . فأبرز الله تعالى. ا كماله،.

وكان تناول هذه العلاقات تناولا عامًا موجزًا لغرض إبرازها بين الخاتمة والمطلع،

فساق هذا إلى استعراض الامتداد الذي تواصل قبل الخاتمة معها مما هو بعد القصص، ومما

امتد من بعد المطلع مع المطلع مما هو قبل القصص، ومما ارتبط كذلك مع القصص لأن

هذه العلاقات متشابكة ممتدة بين أقسام السورة يصعب معها فصل الخاتمة عما قبلها،

والمطلع عما بعده، واستخلاصها بمفردهما، و ربما تفاجأ الدراسة بما يظهر من الاعتلاقات

من الأواسط وما قبلها أو ما بعدها، وهي كثيرة.

ولذا آثرت تناول اعتلاق ما بعد القصص بما قبل القصص وبالقصص تناو ً لا عامًا

موجزًا، وتركت اعتلاق ما قبل القصص بالقصص وبما بعد القصص، تحاشيًا للتكرار

والإعادة فيما ظهر اعتلاقه فيما بعد القصص بما قبلها، وأبرزته الدراسة فيما بعد في باب

البناء البلاغي للسورة، الذي. يتعرض فيه لكل آية في موضعها، وعلاقا. ا بأقسام السورة

وآيا. ا من جهة الفصل والوصل.

ونأتي الآن إلى تناول هذه العلاقات وتوضيحها فيما يلي:

آية: (( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من

الغاوين ولو شئنا لرفعناه. ا ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن

تحمل عليه يلهث أو تركه يلهث (175) ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص

.(( (لعلهم يتفكرون (176

هذا المثل هو آخر القصص التي عرضتها السورة، وإن كانت آيته هي الوحيدة التي

مثلت لنا حالة صاحبها كالكلب اللاهث المتصل اللهث دون انقطاع وإن جاءه الماء،

وكأن هذه الصورة في خاتمة القصص تنطبق على جميع المعرضين من أصحاب القصص

عن الحق بعدما عرفوه سواء لمن عرف و أعرض أص ً لا كالكافرين، ومن عرف ثم انسلخ

بعد تلبس بإيمان كالمرتدين. وهي لها ارتباط كذلك بالآية قبل القصص (( والذي خبث

لا يخرج إلا نكدًا )) (58) ، لأن قلب المنسلخ لم يتشرب الإيمان إلا تشربًا نكدا، فأرضه

خبيثة والنفع فيها غير متحقق له ولذا جاء التعقيب بعدها: (( فاقصص القصص لعلهم

يتفكرون )) ، وليست قصة المنسلخ وحدها بل كل القصص في السورة، لعل كفار

.. قريش يقفون عندها يتفكرون في صدق النبي محمد

وهذه الآية: (( فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ) )تشير إلى قوله تعالى في وسط

تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاء. م )):. السورة قبل قصة موسى

رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب

الكافرين )) (101) ، فهي قصص لتثبيته عليه الصلاة والسلام و تصبيرة بسير أنبيائها، وهي

كي يتفكروا في عواقب المكذبين وإهلاك الله لهم. . لموعظة قومه

وهذه الآية (( فاقصص القصص ) )لها ارتباط كذلك بقوله تعالى: (( يا بني آدم إما

يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم

يحزنون (35) والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها

.(( (خالدون (36

فالرسل كلفوا تبليغ آيات الله و دعوة الناس إليها تذكيرًا لهم بالعهد الأول، لكن. عبر

بالتبليغ بكلمة (يقصون عليكم آياتي) ؛ لأن فيها معنى تتبع الأثر،(أي: يتابعون

ذكرها لكم على وجه مقطوع به، ويتبع بعضهم. ا أثر بعض، لا يتخالفون في أصل

واحد من الأصول.) (1) ، وكأن الرسالات كلها قصص تقصها الرسل على أقوامها؛

قصة الخلق، وقصة العهد الأول المأخوذ على العباد وهم في عالم الذر على توحيد الله

يقص القصص لكفار قريش لعلهم. وعدم الإشراك به، وكذلك نبي هذه الأمة محمد

يتفكرون.

وبعدما يقص الرسل عليهم السلام آيات ر. م بتبليغها أقوامهم، يقص الله تعالى

لخلقه وهو العليم. م المحيط بأعمالهم، يقص عليهم ما كسبت أيديهم؛ (( فلنقصن عليهم

بعلم وما كنا غائبين )) (7) ، عن كل صغيرة أو كبيرة ظاهرة وخفية.

والآية (( فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ) )لها علاقة بكل ما ورد في السورة من

وخلقه وقصص الأنبياء كلها بعد، وكذلك قصة العهد. القصص، بدءًا بقصة آدم

الأول (( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست

بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين )) (172) ، وقد جاءت

هذه الآية ختامًا لقصص بني إسرائيل إلا قصة المنسلخ من الآيات فقد جاءت بعدها،

وكأن آية العهد الأول؛ (( و إذ أخذ ربك ... ) )تمهيد ومقدمة لهذا النموذج البالغ مبلغًا

عظيمًا في النكث والنقض والنكوص، وكأنه وحده عبرة كاملة، وقصته لها علاقة قوية

وهي قوله: (( سأصرف عن،. بقوله تعالى من آيات التوراة التي أنزلت على موسى

آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا. ا وإن يروا سبيل

الرشد لا يتخذوه سبي ً لا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبي ً لا ذلك بأ. م كذبوا بآياتنا

وكانوا عنها غافلين )) (146) ، والصرف الإلهي بتعطيل قوا. م العقلية والجسمية عن

1)نظم الدرر ج 3 ص 30

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت