الصفحة 65 من 129

(المبحث الأول)

ذكر الكتاب، وما يتبعه من ذكر أحوال الأمم التي رفضت ما أنزل إليها.

وآيات هذا القسم تبدأ من أول السورة: (( المص(1 ) )) إلى قوله تعالى: (( والوزن يومئذ

الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا

.(( (أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون (9

وتسلسل المعاني في هذا القسم على النحو التالي:

بدأت السورة بذكر حروف المعجم (( المص ) )وهي من الحروف التي يتكلم. ا

.قومك وبلسا. م، وهي برهان رسالتك ونبوتك، وقد جاء عن معناها قول ابن عباس

: (أنا الله أعلم و أفصل) .

ثم بدأ الحديث بعد هذه الحروف بذكر الكتاب، وهو قوله: (( كتاب أنزل إليك

فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين )) ، وفيه إشارة إلى أن كل ما

جاء في السورة متعلق بالكتاب لأنه فاتحتها ورأسها، وأول ما جاء في مطلعها، وترتب

عن الحرج منه ومن تبليغه. . على نعمة إنزاله. يه

إلى خطاب من أنزل عليهم الكتاب، وهم كافة. ثم ينتقل الكلام من خطابه

الخلق وهو قوله: (( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قلي ً لا ما

تذكرون )) وهو معنى تا ٍ ل للمعنى الأول وهو إنزال الكتاب، وفيه الأمر باتباعه والنهي

عن اتباع غيره.

ثم. بنى على التكريم بإنزال الكتاب تكريم آخر من نوع آخر بأسلوب التخويف

:. والترهيب، وهو ذكر حال الأمم التي رفضت الأمر باتباع الكتاب، وهو قوله

(( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون فما كان دعواهم إذ جاءهم

بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين )) ،ثم تفرع عن هذا المعنى معنى تابع له ومتشعب منه؛

فلنسألن الذين أرسل )):. وهو ما يكون بعد الموت بعد هلاك هذه الأمم، وهو قوله

إليهم ولنسألن المرسلين، فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين )) .

وبعد هذا المعنى المخيف عن الحساب والمساءلة، جاء الحديث عن نصب الموازين

والفصل بين العباد، وهو النهاية التي يصير إليها الخلق، (( والوزن يومئ. ذ الحق فمن ثقلت

موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا

بآياتنا يظلمون )) .

و. ذا تنتهي الآيات. ذا التفصيل فيما جاء في السورة كلها، وكانت مقدمة لها

وهو المعنى الذي جاء في أولها (( المص ) )بمعنى: أنا الله أعلم و أفصل، والمبحث كله

تفصيل في معاني السورة الواردة فيها كما سيأتي.

والآن وبعد الفراغ من عرض بناء المعاني لهذا القسم، نأتي على شيء من بنائها

البلاغي، ولن نحصي ونستقصي كما ذكرنا لأن الوجوه البلاغية في السورة، وفي القرآن

كله لا يمكن إحصاؤها، فنقول:

بدأت السورة بذكر الحروف الثلاث (( المص ) )، وللعلماء في أمثال هذه الحروف

أقوال عديدة، من أهمها؛ أن القرآن أعجزهم بحروف هي من نفس حروف الكلام الذي

يتكلمون ويتخاطبون به، وهو آية نبوتك، وعلامة صدقك، كلام معجز قاهر. مكون

من أحرف عربية من لسا. م الذي ينطقون به، ولا يستطيعون أن يأتوا بمثله.

ولذلك أشار علماء الإعجاز إلى أن أحرف هذه السورة المقطعة فيها تنبيه على

الإعجاز و دلالة عليه، يقول الباقلاني:(وكثير من هذه السور- أي: المبدوءة بحروف

المعجم - إذا تأملته فهو من أوله إلى آخره مبني على لزوم حجة القرآن والتنبيه على وجه

معجزته.) (1) ، وقال منبهًا على هذا المعنى في سورة إبراهيم: (( الر، كتاب أنزلناه إليك

لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ر. م إلى صراط العزيز الحميد )) (1) ، قال: (

فأخبره أنه أنزله ليقع الاهتداء به، ولا يكون كذلك إلا وهو حجة، ولا يكون حجة إن

. (لم يكن معجزة.) (1

وعليه يذكرفي سورة الأعراف: (( المص، كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك

حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين )) ، أخبر هنا أنه أنزله للإنذار ولتذكير المؤمنين،

ولا يكون كذلك إلا وهو حجة، ولا يكون حجة إن لم يكن معجزة.

وأمر آخر مما ذكره العلماء من أسرار هذه الحروف في هذه السورة، وهو بما

في تأويلها قوله: (( المص) أنا الله. يناسب ما جاء فيها؛ ما روي عن ابن عباس

1)إعجاز القرآن / ص 9

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت