فهرس الكتاب
خبرًا آخر وهو ً لا آخر من أهوال القيامة، فبعد التهديد بإهلاك القرى (( وكم من قرية
أهلكناها )) الذي استدعاه حال المخاطبين بقلة التذكر في قوله: (( ولا تتبعوا من
دونه أولياء قلي ً لا ما تذكرون )) ، ثم ما أعقبها من حال أهل هذه القرى حين نزول
العذاب عليها في قوله: (( فما كان دعواهم ... ) )، ثم ما ترتب على عذا. م في الدنيا
ببيان حالهم في عذاب الآخرة، فكان أولا بالمساءلة (فلنسألن) ، ثم بالقص عليهم
أخبارهم (( فلنقصن ) )، ثم جاء بعدها هول آخر من أهوال القيامة في النهاية وهو وزن
الأعمال.
وهنا اختلف أسلوب الصياغة في هذا الموقف من مواقف القيامة للفت العقول إليه
، فلم يخبر عنه بالجملة الفعلية كما في الآيتين السابقتين: (( فلنسألن ) )، (( فلنقصن ) )
إنما أخبر عنه مؤكدًا (1) بالجملة الاسمية، وبتعريف طرفيها، وبالتعبير عنهما بالمصدر: ((
والوزن يومئذ الحق )) ليكون أبلغ (1) في تصور هول الوزن يومئذ، وليعم الوزن ذلك
اليوم كله من أيام يوم القيامة إذ هو. ايتها، وربما قدم الظرف (( يومئذ ) )لأجل ذلك،
ولزيادة التهويل والتخويف حين وزن الأعمال.
وقصر الوزن على الحق لتأكيده وتقريره، لأنه من خصائص الربوبية، وهو راجع
إلى قوله: (( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) )، فربكم الذي أنزل إليكم الكتاب وزنه
لأعمالكم يوم القيامة مقصور على الحق لا يتجاوزه إلى الباطل ولو بذرة واحدة نقصًا أو
.(زيادة (2
ثم قوله: (( فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ) )الفاء فيه سببية؛ لأن
الوزن بالحق تسبب عنه قوله: (( فمن ثقلت ) ) (1) ، ورأى أبو السعود و الألوسي أن الفاء
.(هنا للتفصيل؛ فإن ثقل الموازين و خفتها تفصيل لأحكام الوزن (2
وقوله: (( فأولئك هم المفلحون ) )الفاء فيه للجزاء والتقسيم، فجزاؤهم مرتب
على ثقل موازينهم، والإشارة إليهم بأولئك لعلو درجا. م ورتبهم في الجنان، وقدم
1)ينظر الكشاف ج 2 ص 88 / وروح المعاني ح 8 ص 82
10 -2) ينظر نظم الدرر ج 3 ص 9
2)ينظر تفسير أبي السعود ج 2 ص 477، وروح المعاني ج 8 ص 85
3)ينظر روح المعاني ج 8 ص 84
32 _ 4) ينظر التحرير والتنوير ج 9 ص 31