الصفحة 74 من 129

وبعد الفراغ من تتابع المعاني وبنائها في هذا القسم نأتي على جوانب من بنائها البلاغي.

قوله تعالى: (( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قلي ً لا ما

تشكرون ))

و. ذه الآية انتقل الخطاب كما أسلفنا من أسلوب الترهيب والتخويف بذكر

أحوال الأمم المكذبة التي لم تتبع ما أنزل إليها وإهلاك الله لها، إلى أسلوب الترغيب لتلين

الأسماع والقلوب بذكر النعم التي أنعم الله. ا على عباده وهي نعمة التمكين في الأرض،

ونعمة الخلق والنشأة الأولى، ولذا قال الطاهر بن عاشور، هي معطوفة على قوله تعالى

: (( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) ) (1) فهنا في هذه الآيات نعم ربكم. والتمكن في

الأرض بالقرار فيها والاقتدار عليها، ورأى الطاهر أ. ا على سبيل الكناية (1) ،حيث

يلزم من تسخيرخيرا. ا التمكن منها ويلاحظ كاف الخطاب في(مكناكم،

وجعلنا لكم)، وتقدير الجار وا. رور (لكم) ، وجمع معايش ومالها من قيمة بلاغية

بخصوصية الإنعام وتولي الإكرام بذاته تعالى، ولورود أدوات التوكيد (ولقد) ، والاسمية

زيادة في الدلالة على هذا المعنى.

وفي تذييل الآية بقوله: (( قلي ً لا ما تشكرون ) )ما يربطها بالآية قبلها: (( وكم

من قرية أهلكناها )) التي لم تشكر ما أوتيت من نعم، وتحذرهم الآية من مصيرهم السابق

، في سياق الترغيب.

ثم بعد هذا الربط بين النعم، التمكين في الأرض بآية الإهلاك ليحذروه، ذكرهم

بنعمة الإيجاد مرة أخرى، وما فيها من عجائب الآيات و الإفضالات، وهو قوله: ((

ولقد خلقناكم ثم صورناكم )) ، يقول البقاعي: وهو (راجع للذين خوطبوا ب (( اتبعوا

ما أنزل إليكم من ربكم )) ،وما بينهما أورد مورد الاعتبار و الاتعاظ بذكر ما آل إليه

أمرهم في الدنيا، وما يؤول إليه في الآخرة.) (2) . ويلاحظ أن تذييلها بقوله: (( قلي ً لا ما

تشكرون )) تمهيد لذكر قصة إبليس اللعين، الذي قصد إلى إغوائهم وع. مد إلى ألا يكونوا

من الشاكرين كما قاله بعد: (( ولا تجد أكثرهم شاكرين ) ).

1)ينظر التحرير و التنوير ج 9 ص 23

2)نظم الدرر ج 3 ص 10

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت