فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 661

ويمكن الجمع بين هذه الروايات إذا افترضنا أن عمر ألقى خطبته أمام جمع من الحاضرين فحفظ بعضهم منها جزءًا فرواه، وحفظ آخر جزءًا غيره فذكره، وليس من الغريب أن يمزج الفاروق في أول خطبة له بين البيان السياسي، والإداري والعظة الدينية، فذلك نهج هؤلاء الأئمة الأولين الذين لم يروا فارقًا بين تقوى الله والأمر بها وسياسة البشر تبعًا لمنهجه وشريعته، كما أنه ليس غريبًا على عمر أن يراعي حق سلفه العظيم أبي بكر فلا يجلس في موضع كان يجلس فيه فيساويه بذلك في أعين الناس، فراجع عمر نفسه رضي الله عنه ونزل درجة عن مكان الصديق رضي الله عنه (1) ، وفي رواية أخرى أنه بعد يومين من استخلافه تحدث الناس فيما كانوا يخافون من شدته، وبطشه، وأدرك عمر أنه لابد من تجليه الأمر بنفسه، فصعد المنبر وخطبهم فذكر بعض شأنهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وخليفته، وكيف أنهما توفيا وهما عنه راضيان، ثم قال: … ثم إني قد وليت أموركم أيها الناس، فاعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت، ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدي ولست أدع أحدًا يظلم أحدًا أو يتعدى عليه حتى أضع خدّه على الأرض، وأضع قدمي على الخد الآخر حتى يذعن للحق. وإني بعد شدتي تلك أضع خدي لأهل العفاف وأهل الكفاف، ولكم عليّ أيها الناس خصال أذكرها لكم فخذوني بها؛ لكم علي أن لا أجتبي شيئًا من خراجكم، ولا مما أفاء الله عليكم إلا في وجهه، ولكم عليّ إذا وقع في يدي ألا يخرج مني إلا في حقه، ولكم عليّ أن أزيد عطاياكم وأرزاقكم إن شاء الله تعالى وأسُدّ ثغوركم، ولكم عليّ ألا ألقيكم في المهالك ولا أجمّركم (2) في ثغوركم، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا إليهم، فاتقوا الله عباد الله، وأعينوني على أنفسكم بكفها عني، وأعينوني على نفسي

(1) الدولة الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين، د. حمدي شاهين ص120 .

(2) أجمركم أي لا أبقيكم على جبهات القتال بعيدًا عن أهليكم مدة طويلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت