فهرس الكتاب
أصبح عزيزًا قويًا بعد أن كان ضعيفًا في عهده الأول، ورأى رضي الله عنه أنه لا داعي لتأليف هؤلاء وهؤلاء بعد العزّة والنصر والقوة (1) .
وقد وافق الصحابة على قرار الفاروق، ولم تأت هذه الموافقة اعتباطًا وإنما نتيجة الاقتناع بالمبررات التي دفع بها لإيقاف إعطاء المؤلفة قلوبهم من حيث إن الإسلام قد غدا في قوة ومكنة تجعلانه في غنى عن عدد قليل لا وزن له، بعد دخول أمم كثيرة في الإسلام، كما أنه ليس ثمة خوف من هؤلاء الذين يطلبون التأليف، بل كان الخوف عليهم أن يظلوا على نزعتهم التواكلية، ثم إن حق هؤلاء ليس حقًا موروثًا يتوارثونه جيلًا بعد جيل (2) ،إن عمر لم يقف جامدًا أمام هذا النص فيما يتصل بسهم المؤلفة قلوبهم، فهو قد فهم أن المقصود من النص هو إعزاز الإسلام بدخول أشراف العرب فيه، وتثبيت من أسلم منهم على الإسلام، فقد نظر إلى علة النص لا إلى ظاهره، وحيث أعز الله الإسلام وكثر أهله فقد أصبح الإعطاء حينئذ -في نظر عمر- ذلة وخنوعًا، وزالت العلة التي من أجلها جعل الله للمؤلفة قلوبهم نصيبًا من الزكاة وبناء على ذلك أوقف عمر هذا السهم ولم يعطه لهم، وبناء على هذا الفهم الصحيح لا يجوز أن نقول إن عمر ألغى العمل بالنص القرآني المتعلق بإعطاء المؤلفة قلوبهم نصيبًا من الزكاة لأن ذلك من قبيل النسخ، ولا نسخ إلا من طرف صاحب الشرع نفسه وعليه فلا نسخ بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - (3) ، لقد كان عمر رضي الله عنه يراعي تغير الظروف والعلل التي بنيت عليها نصوص الأحكام، ولم يكن يقف مع ظواهرها كما سبق القول (4) ، كما كان الإنفاق في الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله وابن السبيل، وقد اعتنى القرآن الكريم بابن السبيل أيّما اعتناء، فقد جعل له سهمًا من الزكاة
(1) سياسة المال في الإسلام ص177،178 .
(2) الأبعاد السياسية لمفهوم الأمن في الإسلام ص306 .
(3) الاجتهاد في الفقه الإسلامي ص132، 133.
(4) المصدر نفسه ص134.