فهرس الكتاب
وكان المثنى بن حارثة سيد هذه الغارات كلها بعد البويب، وكان على مقدمته حذيفة بن محصن الغلفاني وعلى مجنبَّته النعمان بن عوف بن النعمان ومطر الشيبانيان وقد حدث في إحدى غارات المثنى أن أدركت قواته مجموعات من الأعداء بتكريت يخوضون الماء، فأصابوا ما شاءوا من النعم، حتى أصاب الرجل خمسًا من النعم، وخمسًا من السبي، وخمس المال، وجاء به حتى ينزل على الناس بالأنبار. وعاد المثنى إلى الأنبار فبعث فرات بن حيان وعتيبى بن النهاس إلى صفين وأمرهما بالغارة على أحياء العرب من تغلب والنمر - ثم استخلف على الأنبار والتي اتخذها قاعدة متقدمة - عمرو بن أبي سلمى الهجيمي واتبعهما. فلما اقتربوا من صفين افترق المثنى عن فرات وعتيبة، وفر أهل صفين فعبروا الفرات إلى الجزيرة وتحصنوا بها، وكانوا من قبائل النمر وتغلب متساندين فاتبعهم فرات وعتيبة حتى رموا بطائفة منهم في الماء، فكانوا ينادونهم (الغرق الغرق) وكان عتيبة وفرات يحضان الناس ويحرضانهم ويقولان (تغريق بتحريق) يذكرانهم يومًا من أيام الجاهلية أحرقوا فيه قومًا من بكر بن وائل في غيضة من الغياض، ثم رجعوا إلى المثنى وقد أغرقوهم في الفرات، وبلغ خبر ذلك إلى عمر بالمدينة، فقد كانت له عيون في كل جيش تكتب له، فطلب فرأت بن حيان وعتيبة إلى المدينة وأجرى معهما تحقيقًا في هذا، فأخبراه أنهما قالا ذلك على وجه أنه مَثَلٌ ولم يفعلاه على وجه طلب ثأر الجاهلية، فاستحلفهما فحلفا أنهما ما أرادا بذلك إلا المثل وإعزاز الإسلام، فصدقهما عمر وردهما إلى العراق فرجعا إليه مع حملة سعد بن أبي وقاص (1) ، فقد كان الفاروق حريصًا على صيانة أخلاق الرعية وحياطتها من تسرب الفساد إليها (2) .
(1) الطريق إلى المدائن 458، تاريخ الطبري (4/ 300) .
(2) الخلفاء الراشدون للنجار ص132.