الصفحة 168 من 383

إنّ عمر رضي الله عنه أناط بأهل الشُّورى وحدهم اختيار الخليفة من بينهم ، ومن المهمِّ أن نشير إلى أنَّ أحدًا من أهل الشُّورى لم يعارض هذا القرار الذي اتّخذه عمر ، كما أنَّ أحدًا من الصَّحابة الآخرين لم يشر أيَّ اعتراض عليه ، ذلك ما تدلُّ عليه النُّصوص التي بين أيدينا ، فنحن لا نعلم: أنَّ اقتراحًا آخر قد صدر عن أحد من النّاس في ذلك العصر ، أو أنَّ معارضة ثارت حول أمر عمر خلال السَّاعات الأخيرة من حياته ، أو بعد وفاته ، وإنّما رضي الناس كافة عن هذا التدبير ، ورأوا فيه مصلحة لجماعة المسلمين ، وفي وسعنا أن نقول: إن عمر قد أحدث هيئة سياسية عليا ، مهمَّتها انتخاب رئيس الدَّولة ، أو الخليفة ، وهذا التنظيم الدُّستوري الجديد ، الذي أبدعته عبقرية عمر لا يتعارض مع المبادئ الأساسية التي أقرَّها الإسلام ، ولا سيَّما فيما يتعلق بالشُّورى ، لأنَّ الغيرة من حيث النتيجة للبيعة العامَّة التي تجري في المسجد الجامع . وعلى هذا لا يتوجَّه السُّؤال الذي قد يرد على بعض الأذهان ، وهو: من أعطى عمر هذا الحقَّ ؟ ما هو مستند عمر في هذا التدبير ؟ ويكفي أن نعلم أنَّ جماعة من المسلمين قد أقرَّت هذا التدبير ، ورضيت به ، ولم يُسمع صوت اعتراض عليه ، حتى نتأكد: أنَّ الإجماع ـ وهو من مصادر التشريع ـ قد انعقد على صحته ، ونفاذه (1) ، ولا ننسى أن عمر خليفة راشد ، كما ينبغي أن نؤكِّد: أن أهل الشُّورى أعلى هيئة سياسية قد أقرَّه نظام الحكم في الإسلام في العهد الرَّاشدي ، كما: أنّ الهيئة التي سمّاها عمر ، تمتّعت بمزايا لم يتمتع بها غيرها من جماعة المسلمين ، وهذه المزايا مُنحت لها من الله ، وبلَّغها الرسول ، فلا يمكن عند المؤمنين أن يبلغ أحد من المسلمين مبلغ هؤلاء العشرة ، من التّقوى ، والأمانة . هكذا ختم عمر رضي الله عنه حياته ، ولم يشغله ما نزل به من

(1) نظام الحكم في الشريعة والتاريخ للقاسمي (1/227 ، 258) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت