الصفحة 174 من 383

لقد تمكَّن عبد الرحمن بن عوف بكياسته ، وأمانته ، واستقامته ، ونسيانه نفسه بالتخلِّي عن الطّمع في الخلافة ، والزُّهد بأعلى منصب في الدولة أن يجتاز هذه المحنة ، وقاد ركب الشُّورى بمهارة ، وتجرد مما يستحقُّ أعظم التَّقدير (1) .

قال الذَّهبي: ومن أفضل أعمال عبد الرَّحمن عزله نفسه من الأمر وقت الشُّورى ، واختياره للأمَّة ممَّا أشار به أهل الحل والعقد ، فنهض في ذلك أتمَّ نهوض على جميع الأمَّة على عثمان ، ولو كان محابيًا فيها ، لأخذها لنفسه ، أو لولاها ابن عمِّه وأقرب الجماعة إليه سعد بن أبي وقَّاص (2) ، وبهذا تحقَّقت صورة أخرى من صور الشُّورى في عهد الخلفاء الرَّاشدين: وهي الاستخلاف عن طريق مجلس الشُّورى ، ليعيِّنوا أحدهم بعد أخذ المشورة العامَّة ، ثمَّ البيعة العامة (3) ، فهذا هو الذي تمَّ في عملية الشورى وما عصره الحسن بن علي رضي الله عنه من أحداث ، ولا ينظر للأباطيل الرافضية التي دست في قصة الشورى وشوهت التاريخ الإسلامي والتي تلقفها المستشرقون وقاموا بتوسيع نشرها ، وتأثر بها الكثير من المؤرخين ، والمفكرين المحدثين ولم يمحِّصوا الرِّوايات ، ويحقِّقوا في سندها ومتنها ، فانتشرت بين المسلمين ، لقد اهتم مؤرخو الشيعة الرّافضة بقصة الشورى وتولية عثمان بن عفان الخلافة ودسوا فيها الأباطيل والأكاذيب ، وألف جماعة منهم كتبًا خاصة ، فقد ألف أبو مخنف كتاب الشورى ، وكذلك ابن عقدة ، وابن بابويه (4) ، ونقل ابن سعد تسع روايات من طريق الواقدي في خبر الشورى وبيعة عثمان وتاريخ تولية الخلافة (5) ، ورواية من طريق عبيد الله بن موسى تضمنت مقتل عمر ، وحصره للشورى في السِّتَّة ووصيته لكلٍّ من عليّ ، وعثمان

(1) مجلة البحوث الإسلامية ، العدد (10) صـ (255) .

(2) سير أعلام النبلاء (1/86) .

(3) دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة صـ 278 .

(4) الذريعة إلى تصانيف الشيعة (14/246) .

(5) الطبقات الكبرى (3/63) (3/67) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت