فهرس الكتاب
نفّذ عبد الرحمن بن عوف خطة الشورى بما دلَّ على شرف عقله ، ونبل نفسه ، وإيثاره مصلحة المسلمين العامة على مصلحته الخاصَّة ونفعه الفردي ، وترك عن طواعية ورضا أعظم منصب يطمح إليه إنسان في الدنيا ، ليجمع كلمة المسلمين ، وحقق أوّل مظهر من مظاهر الشورى المنظمة في اختيار من يجلس على عرش الخلافة ، ويسوس أمور المسلمين ، فهو قد اصطنع من الأناة ، والصبر ، والحزم ، وحسن التدبير ما كفل له النجاح في أداء مهمته العظمى ، وقد كانت الخطوط التي اتخذها كالآتي:
ـ بسط برنامجه في أول جلسة عقدها مجلس الشورى في دائرة الزمن الذي حدّده لهم عمر ، وبذلك أمكنه أن يحمل جميع أعضاء مجلس الشورى على أن يدلوا برأيهم ، فعرف مذهب كل واحد منهم ، فسار في طريقه على بينة من أمره ،
ـ خلع نفسه وتنازل عن حقه في الخلافة ، ليدفع الظُّنون ويستمسك بعروة الثِّقة الوثقى .
ـ أخذ في تعرُّف نهاية ما يصبو إليه كل واحد من أصحابه ، وشركائه في الشُّورى ، فلم يزل يقلِّب وجوه الرَّأي معهم ، حتى انتهى إلى شبه انتخاب جزئيِّ ، فاز فيه عثمان برأي سعد بن أبي وقاص ، ورأي الزبير بن العوام ، فلاحت له أغلبية آراء الأعضاء الحاضرين معه .
ـ عمد إلى معرفة كلِّ واحد من الإمامين: عثمان ، وعليِّ في صاحبه بالنِّسبة إلى وزنه من سائر الرَّهط الذين رشَّحهم عمر، فعرف من كل واحد منهما: أنه لا يعدل صاحبه أحدًا إذا فاته الأمر .
ـ أخذ في تعرُّف رأي مَنْ وراء مجلس الشُّورى من خاصَّة الأمَّة ، وذوي رأيها ، ثمَّ من عامّتها ، وضعفائها ، فرأى أنَّ معظم النَّاس لا يعدلون أحدًا بعثمان ، فبايع له ، وبايعه عامَّة الناس (1) .
(1) عثمان بن عفَّان رضي الله عنه ـ لصادق عرجون صـ 70 ، 71 .