فهرس الكتاب
اشتد الحصار على عثمان رضي الله عنه ، حتى منع من أن يحضر للصلاة في المسجد ، وكان صابرًا على هذه البلوى التي أصابته كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وكان مع إيمانه القوي بالقضاء والقدر ، يحاول أن يجد حلًا لهذه المصيبة ، فنراه تارة يخطب الناس عن حرمة دم المسلم ، وإنه لا يحل سفكه إلا بحقه وتارة يتحدث في الناس ويظهر فضائله وخدماته الجليلة في الإسلام ويستشهد على ذلك ببقية العشرة رضوان الله عليهم (1) ، وكأنه يقول ، من هذا عمله وفضله هل من الممكن أن يطمع بالدنيا ويقدمها على الآخرة وهل يعقل يخون الأمانة ويعبث بأموال الأمة ودمائها وهو يعرف عاقبة ، ذلك عند الله وهو الذي تربى على عين النبي صلى الله عليه وسلم والذي شهد له وزكاه وكذلك أفاضل الصحابة ، ومتى بعد ما تجاوز السبعين وقارب الثمانين من عمره أهكذا تكون معاملته ؟ واشتدت سيطرة المتمردون على المدينة حتى أنهم ليصلون بالناس في أغلب الأوقات (2) ، وحينها أدرك الصحابة أن الأمر ليس كما حسبوا ، وخشوا من حدوث ما لا يحمد عقباه ، وقد بلغهم أن القوم يريدون قتله ، فعرضوا عليه أن يدافعوا عنه ، ويخرجوا الغوغاء عن المدينة ، إلا أنه رفض أن يراق دم بسببه (3) . وأرسل كبار الصحابة أبناءهم دون استشارة عثمان رضي الله عنه ، ومن هؤلاء الحسن بن علي رضي الله عنهما ، وعبد الله بن الزبير ، فقد كان عثمان يحب الحسن ويكرمه ، فعندما وقعت الفتنة وحوصر عثمان رضي الله عنه أقسم على الحسن رضي الله عنه بالرجوع إلى منزله وذلك خشية عليه أن يصاب بمكروه (4) ،وقد قال عثمان للحسن رضي الله عنه: أرجع يا ابن أخي حتى يأتي الله بأمره (5) ، وقد
(1) خلافة علي بن أبي طالب ، عبد الحميد علي صـ 85 .
(2) سير أعلام النبلاء (3/515) .
(3) فتنة مقتل عثمان (1/167) ، المسند (1/396) أحمد شاكر .
(4) تاريخ المدينة لابن شبة (4/1208) .
(5) الرياض النظرة نقلًا عن الحسن بن علي ودوره السياسي صـ 46 .