الصفحة 197 من 383

أنظر فيما لزمني من هذا الأمر ويعنيني فمن ينظر فيه ، فكف عنك أي بني . ومن هذه الحادثة نلاحظ حسن تربية أمير المؤمنين علي لأبنه ، وكيف أعطاه مجالًا ليعبر عن ما في نفسه بدون ضغوط ثم رد أمير المؤمنين على كل اعتراض ، كما تبين ميل الحسن رضي الله عنه المبكر للسلم والابتعاد عن استخدام القوة مهما كلف الأمر ، أما أمير المؤمنين علي ،فقد كان حازمًا ـ والحق معه ـ في هذه المشكلة وواضح ولم يستطيع أحد أن يثنيه عن عزمه وكان متريثًا في تنفيذ القصاص على قتلة عثمان فقد كان ينتظر حتى يستتب له الأمر ، ثم ينظر في شأن قتلة عثمان فحين طالب الزبير وطلحة ومن معهم بإقامة حد القصاص عليهم اعتذر لهم بأنهم كثير وأنهم قوة لا يستهان بها ، وطلب منهم أن يصبروا حتى تستقر الأوضاع وتهدأ الأمور ، فتؤخذ الحقوق ،لئن الظروف لم تكن مواتية من جلب المصالح وقد ألمح أمير المؤمنين علي رضي الله عنه إلى اختيار أهون الشرين حين قال: هذا الذي ندعوكم إليه من إقرار ـ قتلة عثمان ـ وهو خير من شر منه ـ القتال والفرقة (1) ، لقد رأى أمير المؤمنين أن المصلحة تقتضي تأخير القصاص لا تركه ، فأخر القصاص من أجل هذا ،وكان رضي الله عنه ينتظر بقتلة عثمان أن يستوثق الأمن وتجتمع الكلمة ويرفع الطلب من أولياء الدم ، فيحضر الطالب للدم والمطلوب ، وتقع الدعوة ويكون الجواب ، وتقوم البينة ويجري القضاء في مجلس الحكم (2) ،ولا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدى ذلك إلى إثارة الفتنة وتشتيت الكلمة (3) ، وأما ما أثير عن وجود قتلة عثمان في جيش أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وكيف يرضى أن يكون هؤلاء في جيشه ، فقد أجاب الإمام الطحاوي عن ذلك بقوله: وكان في عسكر علي رضي الله عنه من أولئك الطغاة الخوارج الذين قتلوا عثمان من لم يعرف بعينه ومن تنتصر

(1) المصدر السابق ( 5/460 )

(2) تحقيق مواقف الصحابة ( 2 / 156 )

(3) أحكام القرآن لأبن العربي ( 2/ 1718 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت