الصفحة 306 من 383

، وكان الحسن رضي الله عنه في سخاءه وإيثاره لا يميز بين غني وفقير ، أو صغير وكبير ، أو قريب أو بعيد لأن النفس التي ترتاح للبذل والعطاء ، وجبلت على الكرم والسخاء لذتها في إسعاد الناس (1) ابتغاء مرضاة الله وطلبًا للمثوبة والأجر تجد راحتها في ذلك . وكأن الشاعر حافظ إبراهيم كان يعني الحسن عندما قال:

إني لتطربني الخلالُ كريمةً *** طرب الغريب بأوبة وتلاق

ويهزُّني ذكرُ المروءة والندى *** بين الشمائل هِزة المشتاق

فإذا رُزِقتَ خليقة محمودة *** فقد اصطفاك مقسِّم الأرزاق

فالناس هذا حظه مال ، وذا *** علم ، وذاك مكارم الأخلاق

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أنه خطب الناس ثم قال: إن ابن أخيكم الحسن بن علي قد جمع مالًا ، وهو يريد أن يقسمه بينكم ، فحضر الناس فقام الحسن فقال: إنما جمعته للفقراء ، فقام نصف الناس ، ثم كان أول من أخذ منه الأشعث بن قيس (2) ، ومن سيرة الحسن بن علي نتعلم أن بداية انطلاق النفس إلى رضاء الله ، وتخلُّصها من جواذب الأرض ، وتطهيرها من الشح بدوام الإنفاق في سبيل الله حتى يصير سجية من سجاياها ، فتزهد في المال ويخرج حبه من القلوب فلا يفرح صاحبه بزيادته ولا يحزن على نقصانه مصداقًا لقوله تعالى: (( لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) ) (الحديد ، آية: 23) . كما أن للصدقة أثر عظيم في تزكية النفوس فإن لها فوائد أخرى عظيمة في الدنيا والآخرة منها:

فهي أفضل استثمار للمال:

(1) الدوحة النبوية الشريفة صـ 84 .

(2) الطبقات (1/278) إسناده صحيح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت