الصفحة 309 من 383

كان بين الحسن بن علي ومروان بن الحكم كلام ، فأقبل عليه مروان فجعل يغلظ له ، والحسن ساكت ، فامتخط مروان بيمينه ، فقال الحسن رضي الله عنه: ويحك أما علمت أن اليمين للوجه والشمال للفرج ، أف لك ، فسكت مروان (1) وما سكون الحسن رضي الله عنه ، إلا لما كان لحق نفسه ، فلما خالف مروان السنة ، غضب لله وللسنة وأبان له الصواب فيها (2) ، ولما مات رضي الله عنه ، بكى مروان بن الحكم في جنازته ، فقال له الحسين: أتبكيه وقد كنت تجرِّعه ما تجرِّعه ؟ فقال: إني كنت أفعل ذلك إلى أحلم من هذا وأشار إلى الجبل (3) ، وذكر ابن عائشة أن رجلًا من أهل الشام ، قال: دخلت المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ، فرأيت رجلًا راكبًا على بغلة ، لم أرَ أحسن وجهًا ولا سمتًا ، ولا ثوبًا ، ولا دابة منه ، فمال قلبي إليه فسألت عنه ، فقيل: هذا الحسن بن علي بن أبي طالب فامتلأ قلبي بغضًا له ، وحسدت عليًا أن يكون له ابن مثله ، فصرت إليه ، فقلت: أأنت ابن علي بن أبي طالب ؟ قال: أنا ابنه ، قلت: فعل بك وبأبيك ، أسبهما ، فلما انقضى كلامي ، قال لي: أحسبك غريبًا ، قلت: أجل ، قال: مر بنا فإن احتجت إلى منزل أنزلناك ، وإن احتجت إلى مال آسيناك ، أو إلى حاجة عاوناك ، قال: فانصرفت عنه ، وما على الأرض أحب إليَّ منه وما فكرت فيما صنع ، وصنعت إلا شكرته وخزيت نفسي (4) ، وهذه المواقف الكريمة التي نتعلم منها الحلم من سيرة الحسن بن علي رضي الله عنه وكيفية كسب المخالفين ، بالإحسان إليهم والترفق بهم والصبر على آذاهم ومحبة الخير لهم وقد يغلب على كثير منهم الجهل وعدم معرفة الحقائق ، تطبيق لقول الله تعالى: (( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) ) (الأعراف ، الآية: 199) واقتداء بجده صلى

(1) سير أعلام النبلاء (3/260) .

(2) الدوحة النبوية الشريفة صـ 87 .

(3) تهذيب الكمال (6/235) .

(4) وفيات الأعيان (2/67 ، 68) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت